بقلوب يعتصرها الحزن والأسى، ننعي رحيل الأديب العالمي القدير محمد نفاع.

01:01 م, 15 يوليو 2021
الاديب الراحل محمد نفاع
الاديب الراحل محمد نفاع

بيت لحم-بلدنا- الأديب محمّد نفّاع
عُيون سمراء تلّونت من تربة الأرض الجبليّة الأبيّة الّتي طالما رفعتَ قلمك سلاحا يذود عنها.
ولسان حادُّ أطلق ترسانة من الكلمات الخالدة، مُدافعا عن حقوق شعبنا الأشمّ. وجبهة تتجول حقولَها همساتُ أجدادنا، وتزهر فيها مواقع، ونباتات، وشخصيّات، وحكايات، وتاريخ وطننا. حتّى صرت خريطة له.
شعرٌ اشتعل الشّيب فيه، فأشعل هامتك عَلَميّةً على علَمٍ نرفعه مهلّلين في معامع الصّراع على حقوقنا.
ويدٌ معطاءة استنفذت دماء قلبك الثّائر؛ لتخطها مٌدادا أسودَ يؤرّخ أسطورة شعب عريق.
أنت "عروة" في عطائك، وهنا تتجسّد إنسانيتك. بيراعك رسمتَ تاريخ شعبك، وهنا قمّة إبداعك. وأن لا تنزل عن صهوة الجرمق، والرّماح تستقطبه، ترسيخ لصمود الزّابود، ودندنة حصى الوادي، وتناويح أم يوسف، وندب أبي شوقي، ومواويل أبي ماجد، وشبّابة حامد.
ها هي أغاني أم يوسف على البيدر، ترتحل في حبر قلمك؛ لترتسم خالدةً بين صفحاتك. والشّيح، والبلاّن، وكف الدّب، واللّجين، والسّوّيد، والقاتل، والسّنديان، وعُرف الديك، والحلبنّة... كلّها ارتوت من قريحتك، وتركتَ يراعك عطِشا لأخواتها. وعين النّوم الّتي استيقظت على دقّات قلبك، وأرغول يراعك الّذي استوحى ألحانه من أبي ثابت. وعين الجرون، وعين الجمل، وعين سرطبه، وعين الورقة، وعين السّمورة؛ تدفّقت مياههنّ بصوت مخمليّ، يغنين أنشودة الحياة المتدفقّة من سطور كلماتك.
بعذوبة هذه السّمفونيّة الطبيعيّة الفطريّة البِكر، تخطّيت الحدود الجغرافيّة، لتعيش في ذاكرة كلّ قارئ لهذه القصص الّتي تنبض كالشّريان الحيّ، لتصوّر طبيعة هذه القرية الأم-بيت جن- وهذا الوطن الدّامي، وتُخلّدها في صفحات التّاريخ.
هذه هي قمّة العطاء والإنسانيّة، وهذا هو مَن يَعتزُّ به كلّ أبناء قريتي، ووطني. أنّه ابنٌ بارٌّ، نهل من صغره الماء القراح من جداول حبَّ هذه القرية، وتربّى على تقديس ترابها، ودافع عنها من مخطّطات كثيرة للاستيلاء عليها وسحبها من شرايين حنان أجدادنا. فعاش بها مرفوع الهامة، غنيّا بحبّها، وحُبّ أهلها. فقيرا بالمادّة الدخيلة على ثراها المقدّس، لأنّه رفض أن تدنّسها وتدنّسه، عاش همومها وعايشت همومَه. فكانت قصصه الناطقة بعادات، وتراث الأجداد، مثل رقاع الثّلج الأبيض الناصع، ملحا- كما قال أجدادنا- ينقّي الأرض من الأمراض والجراثيم، بذورها امتصت خصوبة أرض بيت جن، فارتفعت أغصانها الغضة اليانعة لتعانق قمة "الديدبة" و"حيدر" "وجبلة عروس" "والجرمق".. لتُطعم كلّ محب لهذه القرية الأبيّة..
ستبقى في القمّة، في الجرمق يا أبا هشام..

ويذكر ان نفاع هو اديب وسياسي فلسطيني وعضو كنيست سابق عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي بقائمة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، من مواليد قرية بيت جن، شغل منصب المحرّر المسؤول لصحيفة "الاتحاد"، وأمين عام الحزب، توفي في 15 تموز\ يوليو عام 2021 عن عمر ناهز 82 عامًا.

ناشط من اجل حل الدولتين، وإنهاء سياسة الاحتلال والتمييز الإسرائيلي، ومناهض للخدمة العسكرية للدروز في الجيش الإسرائيلي. يعتبر أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في المشهد الأدبي الفلسطيني. بدأ الكتابة عام 1964، وترجمت قصصه إلى الروسية الإنجليزية والعبرية والفرنسية والإسبانية والألمانية، يكتب المقالة السياسية في صحيفة "الاتحاد" وفي عدة صحف عربية وعالمية.