من فيرفورد إلى الخليج.. إيران تدفع واشنطن لإعادة رسم انتشارها العسكري
بلدنا - تكشف إعادة انتشار القاذفات الأمريكية من بريطانيا وإجلاء عسكريين من قواعد في الشرق الأوسط عن مفارقة متزايدة في الحرب على إيران، إذ تأتي هذه التحركات في وقت تعلن فيه واشنطن إضعاف طهران عسكريا واقتصاديا، بينما تدفع الهجمات بالطائرات المسيّرة والتهديدات غير التقليدية القوات الأمريكية إلى الابتعاد عن مواقع كانت لعقود رمزا للحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، بما يفرض كلفة استراتيجية ولوجستية متزايدة.
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن قرار واشنطن قبل أيام سحب 12 قاذفة من طراز "بي-1" من قاعدة فيرفورد في بريطانيا لم يكن مجرد إعادة انتشار روتينية، خلافا لما حاول الرئيس دونالد ترامب تصويره، وإنما جاء بعد معلومات وصفتها الصحيفة بأنها "محددة وموثوقة" بشأن مخطط لشن هجوم بطائرات مسيّرة من محيط القاعدة يستهدف الطائرات والجنود الأمريكيين.
وترى الصحيفة أن القرار يمثل حلقة جديدة في سلسلة تحركات اضطرت إليها واشنطن منذ بدء الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي.
وأشارت إلى أن الحرب، التي أرادها ترامب استعراضا للقوة، قيدت قدرة الولايات المتحدة بدلا من تعزيزها، بعدما جرى إجلاء أفراد من قواعد أمريكية في الشرق الأوسط إثر تعرض بعضها لأضرار كبيرة، في وقت أصبحت فيه مسألة إعادة بناء تلك القواعد موضع تردد داخل البنتاغون.
ولم تعد واشنطن، وفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، قادرة على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وأجزاء من البحر الأحمر، وهو أحد المبررات الرئيسية للحضور العسكري الأمريكي في المنطقة منذ عقود.
ويعني سحب القاذفات من قاعدة فيرفورد أن أي ضربات أمريكية جديدة ستتطلب، في حال تنفيذها، تحليق القاذفات من الأراضي الأمريكية لمسافات أطول، مع زيادة الحاجة إلى عمليات التزود بالوقود جوا.
كما ستضطر مجموعات حاملات الطائرات الموجودة في بحر العرب إلى الاعتماد على الإمداد من قاعدة دييغو غارسيا، التي تبعد نحو 2200 ميل عن الخليج، الأمر الذي يضيف وقتا وتكاليف كبيرة إلى العمليات العسكرية.
إيران تستنزف التفوق التقليدي
وفي سياق متصل، أبرزت صحيفة "واشنطن بوست" جانبا آخر من تداعيات الحرب، يتمثل في قدرة إيران، رغم التفوق العسكري الكبير للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في الأسلحة التقليدية، على استخدام الطائرات المسيّرة والتهديدات السيبرانية والعمليات غير المباشرة لإبقاء القوات الأمريكية في حالة تأهب.
وبحسب الصحيفة، هاجمت إيران أكثر من عشر سفن خلال أسبوع في مضيق هرمز، مستفيدة من التهديد البحري للتأثير في أسواق الطاقة، كما استخدمت الطائرات المسيّرة لاستهداف قواعد أمريكية وقتل جنود، فيما استعانت بحلفائها الحوثيين لاستهداف مواقع في السعودية.
ونقلت الصحيفة عن خبراء أن طهران حققت مكاسب رمزية وتكتيكية، رغم تعرض قدراتها البحرية والجوية للتدمير ومقتل عدد من قياداتها العليا.
ويعكس ذلك، بحسب التحليلات التي أوردتها الصحيفة، تحولا في طبيعة الحرب، إذ إن امتلاك أسلحة أقل تطورا لا يمنع الخصم من إحداث اضطراب واسع إذا تمكن من استغلال نقاط الضعف في القواعد العسكرية وسلاسل الإمداد والمجال السيبراني.
قاعدة فيرفورد تحت المجهر
وبرز إجلاء القاذفات الأمريكية من قاعدة فيرفورد، التي ارتبطت بالتعاون العسكري الأمريكي البريطاني منذ الحرب العالمية الثانية، باعتباره أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول.
وقالت "واشنطن بوست" إن المخاوف من هجوم محتمل تصاعدت بعد توقيف خمسة أشخاص قرب القاعدة، إلا أن الشرطة البريطانية لم تعثر في شاحناتهم على طائرات مسيّرة أو متفجرات، وإنما على عبوات وقود، قبل الإفراج عنهم لاحقا بكفالة.
كما لم تسجل السلطات البريطانية تهديدا جديدا مؤكدا، ما أثار تساؤلات بشأن حجم الخطر الذي استندت إليه المعلومات الأمريكية لاتخاذ قرار إعادة انتشار القاذفات.
ومع ذلك، يرى خبراء أن مجرد دفع واشنطن إلى نقل قاذفاتها من القاعدة يمثل مكسبا معنويا لطهران، في حين حذرت تحليلات أمريكية من أن إيران قد تستخلص من ذلك أن الضغط على القواعد الأمريكية يمكن أن يدفع واشنطن إلى الابتعاد وإعادة تموضع قواتها.
وتبرز هنا المفارقة الأوسع للحرب، إذ أعلن ترامب مرارا أن إيران "منهارة" وأنها ستستسلم، بينما أظهرت طهران، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها، قدرتها على تحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى معركة استنزاف، ما قد يدفع واشنطن إلى بناء قواعد أبعد وإعادة تشكيل انتشارها العسكري في الشرق الأوسط وتحمل كلفة قد تصل إلى عشرات المليارات.
-نقلا عن وكالة وطن