جيمس ميريديث وكسر حاجز الفصل العنصري
في الأول من أكتوبر عام 1962، في النصف الثاني من القرن العشرين، أصبح جيمس ميريديث أول طالب أمريكي من أصل أفريقي يلتحق رسمياً بجامعة ميسيسيبي، المعروفة أيضا باسم "أول ميس".
هذه اللحظة لم تكن مجرد إجراء إداري عابر، بل كانت تتويجا لمعركة قانونية وسياسية واجتماعية طويلة، وبداية لمواجهة عنيفة كشفت عن عمق الفصل العنصري في الجنوب الأمريكي. فقد تجرأ ميريديث على تحدي حاكم ولاية ميسيسيبي، روس بارنيت، المؤيد للفصل العنصري، فقوبلت خطوته بموجة من الرفض والعنف داخل الحرم الجامعي. هكذا تحول تسجيله إلى قضية وطنية، واختبار حقيقي لمدى قدرة السلطات الفيدرالية على إنفاذ القانون في مواجهة مقاومة واسعة وعنيدة.
يُعد جيمس ميريديث واحدا من أبرز رموز نضال الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. كان جنديا سابقا في القوات الجوية الأمريكية، ويبلغ من العمر تسعة وعشرين عاما، حين تقدم في يناير عام 1961 بطلب للالتحاق بجامعة ميسيسيبي، وكانت الجامعة في ذلك الوقت مخصصة للطلاب البيض فقط. قوبل طلبه بالرفض، فبدأ صراع قانوني استمر نحو ثمانية عشر شهرا، وانتهى بصدور حكم عن المحكمة العليا الأمريكية في العاشر من سبتمبر عام 1962 يقر بحق ميريديث في الالتحاق بالجامعة. جاء هذا الحكم بعد معركة قضائية طويلة بدأت برفض إدارة الجامعة قبول طلبه، ثم تحولت إلى نزاع وصل إلى أعلى المستويات القضائية في البلاد.
الطريق إلى المحكمة العليا:
قبل ذلك، وبعد انتهاء خدمته العسكرية، كان ميريديث قد التحق بكلية "جاكسون ستيت"، وهي مؤسسة تعليمية مخصصة للطلاب السود، حيث توطدت علاقته بميدغار إيفرز، سكرتير الميدان للجمعية الوطنية للنهوض بالملونين في ميسيسيبي. في ذلك السياق، قرر ميريديث مواصلة تعليمه في جامعة ميسيسيبي، لكن إدارة الجامعة رفضت طلبه مرارا. فرفع دعوى قضائية، ووصلت القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية، التي أصدرت في عام 1962 حكما يقضي بضرورة قبوله. لم يكن هذا الحكم نهاية المطاف، بل كان بداية مواجهة أكثر احتداما.
على الرغم من قرار المحكمة العليا، عارض حاكم ولاية ميسيسيبي، روس بارنيت، هذه الخطوة علنا، بل سعى لإقرار تشريع يمنع قبول أي شخص في جامعات الولاية إذا كان قد أُدين قضائيا فيما كان يُعرف بـ"الانحطاط الأخلاقي". في محاولة لعرقلة التحاق ميريديث، أمر بارنيت بسجنه لفترة وجيزة، بحجة أنه كتب عام 1960 بدلا من عام 1961 عن طريق الخطأ في استمارة تسجيل الناخبين. تحولت المسألة من نزاع قانوني حول القبول الجامعي إلى صراع سياسي وقانوني أوسع، تمتزج فيه العنصرية والمناورة والرغبة في إبقاء الجامعة حكرا على البيض.
ليلة العنف والتدخل الفيدرالي:
انخرطت إدارة الرئيس الأمريكي جون كينيدي، والمدعي العام روبرت كينيدي، في مفاوضات مع حاكم الولاية بارنيت سعيا للتوصل إلى حل سلمي. لكن حين حاول ميريديث الدخول إلى حرم الجامعة برفقة عناصر من قوات المارشال الأمريكية، وهي قوات أمن فيدرالية، في الثلاثين من سبتمبر عام 1962، صدته حشود غاضبة.
في الليلة الفاصلة بين الثلاثين من سبتمبر والأول من أكتوبر عام 1962، اندلعت أعمال شغب داخل حرم الجامعة؛ هاجم محتجون عناصر المارشال الفيدراليين والصحفيين، وأحرقوا الممتلكات ونهبوها، وسرقوا مركبات. لقي شخصان حتفهما خلال الليلة الأولى من الاشتباكات، وهما الصحفي الفرنسي بول غيهار، ورجل أبيض يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما يُدعى راي غانتر. كما أُصيب نحو 375 شخصا، وجرى اعتقال حوالي 200 آخرين.
من أجل إخماد أعمال الشغب، نشر الرئيس كينيدي آلاف الجنود الفيدراليين في ولاية ميسيسيبي، فيما يُعد أكبر استخدام لـ"قانون التمرد" لعام 1807 في تاريخ الولايات المتحدة. الأمر اللافت أن عددا من هؤلاء الجنود بقي لحماية ميريديث حتى أتمّ دراسته.
في الأول من أكتوبر عام 1962، وبعد أن أحكمت القوات الفيدرالية وقوات الولاية سيطرتها على الوضع، أصبح جيمس ميريديث أول أمريكي من أصل أفريقي يلتحق بجامعة ميسيسيبي، وقد حضر أولى محاضراته في مادة تاريخ المستعمرات الأمريكية. على الرغم من العداء المستفحل الذي واجهه من بعض الطلاب، واصل ميريديث دراسته. في أغسطس عام 1963، تخرج في الجامعة وحصل على شهادة في العلوم السياسية. وفي وقت لاحق، واصل تعليمه ونال شهادة في القانون من جامعة كولومبيا.
تغيير بطيء:
عقب التحاق جيمس ميريديث بجامعة ميسيسيبي عام 1962، تواصلت عملية إنهاء الفصل العنصري في الجامعة، ولكن بشكل بطيء، ووسط أحداث تضمنت المزيد من الأحكام القضائية والمتاعب الشخصية. كان التحاق ميريديث بالجامعة قد كسر الحاجز بالفعل، إلا أن كل خطوة تالية نحو إلغاء الفصل العنصري تطلبت إصدار أمر قضائي منفصل، كما أن أعداد الطلاب السود تزايدت ببطء شديد، حتى إنها ارتفعت من قلة قليلة في أوائل الستينيات إلى بضع عشرات بحلول نهاية ذلك العقد.
لم يقتصر إرث ميريديث على جامعة ميسيسيبي وحدها، بل امتد إلى مؤسسات تعليمية أخرى في الجنوب، حيث أصبح التحاق الطلاب السود بالجامعات أكثر شيوعا، وإن ظل محفوفا بالمخاطر والعراقيل. واجه ميريديث نفسه محاولات تشويه وتهديدات، لكنه واصل طريقه حتى التخرج، ثم مضى إلى دراسة القانون، ليكمل مسيرة طويلة من النضال القانوني والتعليمي.
إرث ميريديث:
ظل أثر ميريديث أبعد من كونه طالبا التحق بجامعة؛ فقد فتح الباب أمام أجيال لاحقة، وترك سؤالا مفتوحا عن ثمن التغيير، وعن المسافة الطويلة التي تقطعها المجتمعات لتحقيق هدف "بسيط" وطبيعي هو المساواة. لقد أثبتت قصته أن القانون وحده قد لا يكفي لإنهاء الظلم، ما لم يقترن بإرادة سياسية وشجاعة أخلاقية، وقدرة على مواجهة العنف والتعصب. كما كشفت هذه الأحداث أن التغيير الحقيقي يبدأ غالبا بفرد يقرر عدم القبول بالوضع القائم، حتى لو كان الثمن باهظا.
يبقى اسم جيمس ميريديث محفورا في التاريخ ليس فقط بوصفه أول طالب أمريكي من أصل أفريقي في جامعة ميسيسيبي، بل بوصفه رمزا لمعركة طويلة بين قانون الولاية وقرار المحكمة العليا، وبين العنصرية والمساواة، وبين الخوف والأمل.
قد تبدو هذه القصة التاريخية غريبة في زماننا، لكنها كانت "ابنة وقتها"؛ فقد كانت الولايات المتحدة في تلك المرحلة تعيش على وقع التحولات الكبرى، وكان الفصل العنصري لا يزال ماثلا في كثير من المؤسسات، لا سيما في الجنوب. مع ذلك، فإن خطوة واحدة جريئة كخطوة ميريديث كانت كافية لتهز ذلك البناء، وتمهد الطريق، ولو ببطء، نحو مجتمع أكثر عدلا.
المصدر: RT