حين تسحب الشاشة حضور الفتيات من على مائدة العائلة

10:35 ص, 16 سبتمبر 2026
حين تسحب الشاشة حضور الفتيات من على مائدة العائلة

بلدنا- للصحفية ساجدة أبو عصيدة

في ظلمة الغرفة، يضيء ضوء الهاتف الأزرق وجه بيلسان أنور (15 عامًا، من محافظة طوباس). يتنقل إبهامها بين مقطع وآخر: وجوه، ملابس، رحلات، وإنجازات سريعة لفتيات في مثل سنها.

لا تُقال المقارنة بصوت مرتفع دائمًا، لكنها قد تبدأ من سؤال صامت أمام الشاشة: "ليش هي أحسن؟ ليش حياتها هيك؟ وأنا وين من كل هذا؟"

هذا الانشغال بمقارنة الحياة الواقعية بما يُعرض على الشاشة لا يبقى محصورًا في نظرة الفتاة إلى نفسها. ففي البيت، تلاحظ بيلسان أن كثرة استخدامها للسوشال ميديا تبدأ بخلق فجوة مع أهلها، فتصبح أسرع غضبًا، وتفقد شعورها بدفء المكان، ليتحول الجلوس المشترك إلى صمت يفرغه الانشغال بالشاشة.

بيلسان لا تقول إنها تقارن نفسها بالآخرين باستمرار، لكن رؤية فتاة تتحدث عن حياتها أو إنجازاتها تجعلها أحيانًا تفكر في حياتها والأشياء التي تريد تحقيقها. ورغم أن ما يظهر على الشاشة ليس حياة الشخص كاملة، بل جزءًا يختار هو إظهاره، فإن معرفة ذلك لا تمنع دائمًا أن يترك ما تراه أثرًا فيها.

المتخصصة في الصحة الشمولية والدعم النفسي الاجتماعي سعاد بشارات من نابلس، تؤكد أن الفتاة في مرحلة المراهقة تبدأ أحيانًا ببناء صورتها من الخارج إلى الداخل؛ أي من الطريقة التي تعتقد أن الآخرين يرونها بها، أكثر من الطريقة التي ترى بها نفسها.

"يتجلى هذا في الشكل، والشعبية، وعدد الأصدقاء، وطريقة الحياة. تتحول الأسئلة من "أنا شو بحب؟" و"أنا شو بتميز فيه؟" إلى "ليش أنا مش زيها؟" و"ليش حياتي مش هيك؟"."

تلمس بشارات هذا الأثر خلال تدريباتها مع الفتيات، خصوصًا حين يتحدثن عن الأشياء التي لا يحببنها في شكلهن. تبدأ الفتاة أحيانًا بذكر تفاصيل صغيرة لم تكن منتبهة إليها قبل مقارنة نفسها بما تراه يوميًا.

"المشكلة مش أحيانًا في شكلها، أحيانًا المشكلة في الطريقة اللي تعلمت فيها تشوف شكلها".

تبدأ الفكرة من ملاحظة صغيرة: "شعرها أحلى مني".

تتحول إلى: "أنا مش حلوة".

ومع الوقت، تتوسع لتصبح: "أنا مش كفاية!".

لا يقف هذا الانشغال عند حدود صورة الذات، بل يمتد ليطال حضور الفتاة ومحيطها القريب.

لكن الشاشة لا تأخذ من صورة الذات والوقت الأسري وحدهما؛ فبالنسبة لليان أحمد عثمان (16 عامًا) من تياسير، طوباس، بدأ تأثيرها يظهر أولًا في إدارة الوقت والتركيز.

تقضي ليان وقتًا طويلًا في التصفح، وأحيانًا تترك ما يفترض أن تنجزه لتستمر دون أن تشعر بمرور الوقت.

وحين تحاول التخفيف من استخدامها، خصوصًا وقت الدراسة، تلمس فرقًا واضحًا: "لما بخففها بحس إنه عندي وقت أكثر وبكون تركيزي أحسن، وبكتشف إني أصلًا كنت بفتح التطبيقات بشكل تلقائي حتى لو ما كان عندي شيء أعمله!".

تستحضر موقفًا كانت جالسة فيه مع أهلها، والجميع يتحدث بينما كانت منشغلة بهاتفها. كانت موجودة بالجسد، لكنها غائبة بالتركيز.

"ممكن أكون معهم بنفس المكان بس مش مشاركة معهم فعلًا".

من ذلك الموقف أدركت ليان أن الوقت الضائع خلف الشاشة يأتي على حساب جلسة عائلية، أو حديث كان يمكن أن تكون حاضرة فيه بوعيها الكامل.

رغم ذلك، لا ترى ليان السوشال ميديا سلبية بالمطلق؛ فهي تتيح لها التعلم واكتشاف أفكار واهتمامات جديدة، والتطواف في تجارب مختلفة.

في البيت، يبقى الجميع في المكان نفسه، بينما يذهب انتباه أحدهم إلى مكان آخر خلف الشاشة. تنطفئ الشاشة للحظات، فيعود صوت البيت وحضوره، قبل أن تعود الشاشة لتأخذ الانتباه من جديد.