ابو غوش: الأزمة المالية قلصت قدرة السلطة على دعم المحروقات

02:34 م, 02 سبتمبر 2026
ابو غوش: الأزمة المالية قلصت قدرة السلطة على دعم المحروقات

بلدنا- أكد المحاضر الجامعي والمختص بالصحافة الاقتصادية أيهم أبو غوش أن ارتفاع أسعار المحروقات في السوق الفلسطينية لا يرتبط فقط بحركة أسعار النفط عالميا.

واشار إلى أن عوامل عدة تتداخل في تحديد السعر النهائي، أبرزها آلية استيراد المحروقات، وتركيبة الضرائب، والقيود المرتبطة ببروتوكول باريس الاقتصادي، إلى جانب الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها السلطة الفلسطينية.

وقال أبو غوش، خلال حديثه لبرنامج "طلة صباح" الذي يبث عبر فضائية معا وشبكة معا الإذاعية وراديو الرابعة ويقدمه الإعلامي عادل غريب، إن أسعار النفط عالميًا شهدت ارتفاعات وانخفاضات خلال الفترة الماضية، لكنها لا تزال عند مستويات مرتفعة، لافتًا إلى أن أسعار المحروقات المحلية لا تعكس بالضرورة السعر الفوري للنفط في الأسواق العالمية، كون عمليات الشراء والتوريد تتم وفق عقود آجلة.

وأوضح أن الديزل يتأثر بصورة خاصة بالتطورات المرتبطة بحركة التجارة والإمدادات العالمية، في ظل اضطرابات طرق النقل والممرات المائية، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، معتبرًا أن هذه العوامل تشكل أحد أسباب ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

65% من سعر المحروقات ضرائب

وأشار أبو غوش إلى أن العامل الأكثر تأثيرًا في تركيبة أسعار المحروقات الفلسطينية يتمثل في اعتماد السوق الفلسطينية بشكل كامل على استيراد المحروقات من الجانب الإسرائيلي، وفق الآليات التي تحكمها العلاقة الاقتصادية القائمة بموجب بروتوكول باريس.

وبيّن أن نحو 65% من سعر المحروقات المباع للمستهلك يذهب كضرائب، تشمل ضريبة "البلو" وضريبة القيمة المضافة، الأمر الذي يجعل السعر النهائي للمحروقات مختلفًا بشكل كبير عن مجرد انعكاس لحركة أسعار النفط الخام عالميًا.

ولفت إلى أن السلطة الفلسطينية تمتلك، من حيث المبدأ، هامشًا قانونيًا يسمح لها بإجراء تخفيضات ضريبية على المحروقات، وبالتالي خفض السعر النهائي للمستهلك، إلا أن هذا الخيار أصبح أكثر صعوبة في ظل الأزمة المالية الحالية.

تراجع الدعم الحكومي للمحروقات

وقال أبو غوش إن المحروقات تمثل مصدرًا مهمًا من مصادر إيرادات السلطة الفلسطينية، باعتبار الضرائب المفروضة عليها جزءًا من إيرادات المقاصة، مشيرًا إلى أن السلطة كانت تلجأ خلال السنوات الماضية إلى تخفيضات ضريبية كانت الحكومات تطلق عليها تسمية "الدعم الحكومي"، بهدف تخفيف العبء عن المستهلك.

وأوضح أن قيمة هذا التخفيض كانت تصل في بعض السنوات إلى نحو 700 مليون شيكل سنويًا، بحسب أسعار الوقود، إلا أن الأزمة المالية الخانقة أدت إلى تقليص هذا الهامش بصورة كبيرة.

وبحسب أبو غوش، فإن الدعم الحكومي الذي كان يتراوح سابقًا بين 70 و90 مليون شيكل شهريًا، بات في الفترة الأخيرة لا يتجاوز، في بعض الأشهر، نحو 10 أو 11 مليون شيكل.

وأضاف أن الفارق بين أسعار المحروقات في السوق الفلسطينية وإسرائيل كان في السابق أكبر بكثير، بينما أصبح الهامش اليوم ضيقًا، وهو ما يفسر شعور المواطنين بارتفاع العبء الواقع عليهم.

"المشكلة ليست المحروقات وحدها".. أزمة مالية تضغط على القرار الحكومي

وربط أبو غوش تراجع قدرة السلطة على دعم المحروقات بالأزمة المالية المتفاقمة، موضحًا أن إيرادات المقاصة تشكل عنصرًا أساسيًا في تمويل السلطة، في وقت لا يتم فيه تحويل أموال المقاصة بصورة منتظمة، الأمر الذي يفاقم أزمة السيولة.

وأشار إلى أن الموازنة الفلسطينية تبلغ، وفق الأرقام التي طرحها خلال المقابلة، نحو 19 مليار شيكل، مقابل فجوة تمويلية تقترب من 10 مليارات شيكل، ما يدفع الحكومة إلى البحث عن إجراءات لخفض النفقات وزيادة الإيرادات وسد العجز.

وأضاف أن رفع الدعم عن المحروقات يُنظر إليه حكوميًا باعتباره أحد الإجراءات التي يمكن أن تساهم في تقليص الفجوة التمويلية، إلا أن ذلك ينعكس مباشرة على المواطن والأسعار.

وفي المقابل، أشار إلى أن هناك نقاشًا اقتصاديًا حول مدى عدالة الدعم العام للمحروقات، إذ يرى بعض الخبراء أن الدعم غير الموجه قد يستفيد منه أصحاب السيارات والفئات القادرة أكثر من الفئات الفقيرة، بينما يطالب آخرون بتوجيه الدعم إلى قطاعات وفئات محددة، مثل النقل العام وبعض القطاعات الإنتاجية والصناعية.

وأكد أن رفع الدعم، في حال اعتماده، يجب أن يترافق مع تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، بدلًا من إلغائه بصورة تؤدي إلى زيادة الأعباء على المواطنين.

الاحتلال العامل الأكبر.. لكن الإصلاح الداخلي ضرورة

وفي الجزء الآخر من المقابلة، انتقل أبو غوش إلى أسباب الأزمة المالية الفلسطينية، مؤكدًا أن الاحتلال الإسرائيلي يمثل، برأيه، العامل الأكبر والأكثر تأثيرًا في الاقتصاد الفلسطيني، من خلال السيطرة على الموارد، وقيود حركة العمال، واحتجاز أموال المقاصة، إلى جانب القيود المفروضة على النشاط الاقتصادي الفلسطيني.

وقال إن منع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى سوق العمل الإسرائيلي يؤدي إلى وقف جزء من السيولة التي كانت تتدفق إلى الاقتصاد الفلسطيني، في حين يؤدي احتجاز أموال المقاصة إلى تجفيف مصدر آخر رئيسي للسيولة.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على الإفراج عن أموال المقاصة، موضحًا أن ذلك من شأنه تخفيف حدة الأزمة، لكنه لا يعالج جذورها، في ظل وجود مشكلات إدارية وتشريعية ومالية داخلية تحتاج إلى إصلاحات جدية.

فاتورة الرواتب تستنزف الموازنة

وأشار أبو غوش إلى أن قوانين الخدمة المدنية وقوانين قوى الأمن وغيرها من التشريعات المتعلقة بالوظيفة العمومية أسهمت، وفق تقييمه، في تضخم فاتورة الرواتب على مدار السنوات الماضية.

وأوضح أن الرواتب والتدفقات المرتبطة بها تستحوذ على نسبة كبيرة جدًا من الموازنة الفلسطينية، وقد تصل، بحسب تقديراته، إلى 75–80% من حجم الموازنة عند احتساب الالتزامات المختلفة المرتبطة بالرواتب والتقاعد والمخصصات والنفقات ذات الصلة.

وحذر من أن استمرار هذا الوضع يضغط بشدة على الموازنة، ويساهم في تراكم الدين العام والعجز المالي، داعيًا إلى إعادة النظر بصورة جادة في التشريعات الناظمة للخدمة المدنية والوظيفة العمومية، وضبط العلاوات والامتيازات.

دعوة إلى مراجعة امتيازات كبار المسؤولين

وانتقد أبو غوش بعض الامتيازات التقاعدية التي ترتبط بالمناصب العامة، مشيرًا إلى أن حصول أعضاء المجلس التشريعي والوزراء والمحافظين على امتيازات تقاعدية طويلة الأمد يمثل، وفق طرحه، أحد أوجه الضغط على الموازنة.

ودعا إلى إعادة النظر في هذه التشريعات، والاستفادة من نماذج معمول بها في دول أخرى تقوم على منح المسؤول مكافأة أو مستحقات مرتبطة بفترة خدمته، بدلًا من استمرار الالتزامات المالية طويلة الأمد.

أبو غوش: لا إصلاح مالي من دون رقابة تشريعية

وشدد المختص الاقتصادي على أن الإصلاح المالي لا يرتبط فقط بزيادة الإيرادات أو خفض النفقات، بل يحتاج أيضًا إلى إصلاح منظومة الحوكمة والرقابة على المال العام.

وقال إن الموازنة في النظم الديمقراطية تُعد من قبل الحكومة، لكنها تُناقش وتُقر وتخضع للرقابة البرلمانية، معتبرًا أن الفصل بين السلطات يشكل أساسًا للحوكمة والنزاهة المالية.

وفي ختام حديثه، أكد أبو غوش أن معالجة الأزمة المالية الفلسطينية تتطلب مسارين متوازيين: الأول يتعلق بمواجهة الضغوط والقيود التي يفرضها الاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني، والثاني يتمثل في إجراء إصلاحات داخلية حقيقية في التشريعات والإنفاق والوظيفة العمومية والرقابة المالية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل الاقتصاد الفلسطيني، وقدرة الحكومة على إدارة الموازنة وتأمين الرواتب والخدمات العامة، في ظل اتساع الفجوة التمويلية واستمرار أزمة المقاصة.

وخلص النقاش إلى أن الأزمة الاقتصادية الفلسطينية لم تعد مجرد أزمة إيرادات أو أسعار محروقات، بل أصبحت أزمة مركبة تتقاطع فيها العوامل السياسية والاقتصادية والتشريعية والإدارية، ما يجعل الإصلاح المالي والرقابة على الإنفاق وإعادة بناء منظومة الحوكمة استحقاقًا لا يحتمل التأجيل.