الطاقة الشمسية في فلسطين: من وفرة الشمس إلى صناعة المستقبل

03:00 م, 27 أغسطس 2026
الطاقة الشمسية في فلسطين: من وفرة الشمس إلى صناعة المستقبل

تمتلك فلسطين مورداً طبيعياً استثنائياً يمكن أن يلعب دوراً متزايداً في مستقبل الطاقة: الشمس.

فمعدلات الإشعاع الشمسي في فلسطين مرتفعة، وتصل في المتوسط إلى نحو 5.2 كيلوواط ساعة لكل متر مربع يومياً، أو أكثر من 1,900 كيلوواط ساعة سنوياً لكل متر مربع، ما يجعل فلسطين بيئة ملائمة جداً لتقنيات الطاقة الشمسية.

وفي ظل ارتفاع أهمية أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على مصادر الكهرباء الخارجية، لم تعد الطاقة الشمسية في فلسطين مجرد خيار بيئي، بل أصبحت جزءاً من معادلة اقتصادية واستراتيجية تتعلق بخفض تكاليف الكهرباء، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة.

وقد شهد قطاع الطاقة الشمسية الفلسطيني نمواً واضحاً خلال السنوات الماضية. وتُظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن القدرة المركبة لأنظمة الخلايا الشمسية في فلسطين بلغت 178.5 ميغاواط في عام 2021، منها نحو 159.5 ميغاواط في الضفة الغربية. واليوم، يتجه القطاع نحو مرحلة أكثر طموحاً، مع تركيز متزايد على توسيع استخدام الطاقة المتجددة، ليس فقط من خلال المشاريع الكبرى، وإنما أيضاً عبر آلاف الأنظمة الموزعة على المنازل والمؤسسات والمنشآت التجارية والمرافق العامة.

بيت لحم: من الإمكانات إلى المشاريع

تُعد محافظة بيت لحم جزءاً مهماً من هذا التحول. فقد بلغت القدرة المركبة لأنظمة الطاقة الكهروضوئية في المحافظة نحو 7.87 ميغاواط في عام 2021. وتظهر أهمية الطاقة الشمسية في بيت لحم في تنوع الاستخدامات، من الأنظمة المنزلية إلى المشاريع التجارية والمؤسسية والمرافق العامة.

ومع تزايد أسعار الطاقة والحاجة إلى خفض تكاليف التشغيل، أصبحت أسطح المباني مورداً يمكن استثماره لإنتاج الكهرباء محلياً. وفي الوقت نفسه، يتطور القطاع من مجرد تركيب الألواح إلى تصميم أنظمة تعتمد على دراسة الاستهلاك، وحجم الأحمال، ومساحة الموقع، ونمط استخدام الكهرباء، مع إمكانية دمج حلول تخزين الطاقة عند الحاجة.

هذا التحول واضح في مشاريع جديدة يجري طرحها في بيت لحم، بما فيها مشاريع تجمع بين الطاقة الشمسية وأنظمة تخزين البطاريات.

فلورنسا للطاقة المتجددة: مساهمة محلية في التحول

وفي هذا المشهد المتنامي، تعمل فلورنسا للطاقة المتجددة، ومقرها بيت لحم، على المساهمة في تطوير قطاع الطاقة الشمسية من خلال تصميم وتنفيذ أنظمة للقطاع السكني والمؤسسات والمنشآت العامة، وبقدرات مختلفة يتم تحديدها وفق احتياجات كل موقع واستهلاكه الفعلي.

وخلال عام 2026 وحتى الآن، نفذت فلورنسا نحو 25 مشروعاً للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تقارب 400 كيلوواط. هذه المشاريع تعكس طبيعة مهمة من طبيعة التحول الجاري في السوق الفلسطينية: الطاقة الشمسية لا تقتصر على المحطات الكبيرة، بل تنتشر أيضاً من خلال عشرات المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تسمح للمنازل والمؤسسات بإنتاج جزء من احتياجاتها من الكهرباء محلياً.

وهذا النوع من الانتشار الموزع يشكل جزءاً أساسياً من أي تحول واسع في قطاع الطاقة، لأن الوصول إلى أهداف الطاقة المتجددة لا يعتمد فقط على عدد محدود من المشاريع الكبرى، بل على تراكم آلاف الأنظمة في مختلف القطاعات والمناطق.

مشروع بلدية بيت لحم: نموذج عملي

ومن أبرز مشاريع فلورنسا للطاقة المتجددة تنفيذ نظام طاقة شمسية On Grid بقدرة 60 كيلوواط لصالح بلدية بيت لحم على سطح المركز البيئي في بيت بصة. وتم تصميم النظام وفق دراسة فنية لاستهلاك الموقع واحتياجات بقدرة 620 واط. استخدم المشروع ألواح Trina Solar. وتُقدّر إنتاجية النظام بنحو 8,250 كيلوواط ساعة شهرياً، أي ما يقارب 99 ألف كيلوواط ساعة سنوياً، مع توفير سنوي تقديري يبلغ حوالي 74,250 شيكلاً.

ويحمل المشروع أهمية تتجاوز حجمه، كونه نموذجاً لتطبيق الطاقة الشمسية في المرافق العامة، وقد نُفذ بتمويل من صندوق تطوير وإقراض الهيئات المحلية، من خلال الوكالة البلجيكية للتنمية Enable، ضمن برنامج تطوير الهيئات المحلية، وفي إطار مبادرة تهدف إلى دعم مشاريع الحد من التغير المناخي والحفاظ على البيئة.

ويمثل المشروع مثالاً واضحاً على إمكانية تحويل أسطح المباني القائمة إلى أصول منتجة للطاقة، وتحقيق أثر اقتصادي وبيئي في الوقت نفسه.

وفي هذا السياق، يقول المهندس يزن شمروخ، مؤسس شركة فلورنسا للطاقة المتجددة: "إن الوصول إلى أهداف فلسطين في مجال الطاقة المتجددة يحتاج إلى منظومة محلية قادرة على تحويل هذا المورد إلى طاقة منتجة، وهنا يأتي دور الشركات الفلسطينية المتخصصة. فكل مشروع جديد يضيف قدرة إنتاجية، ويخلق طلباً على المهندسين والفنيين وخدمات التصميم والتركيب والصيانة، ويساهم في بناء المعرفة والخبرة المحلية في قطاع نتوقع له أن يتوسع بشكل كبير خلال السنوات المقبلة. ومن هذا المنطلق، نقوم في فلورنسا بدورنا في توسيع قاعدة استخدام الطاقة الشمسية، وخدمة قطاعات مختلفة، وتطوير الخبرة المحلية، وإثبات قدرة الشركات الفلسطينية على تنفيذ مشاريع سكنية ومؤسسية ومشاريع القطاع العام".

نحو 2030: الفرصة أكبر من الألواح

تضع فلسطين الطاقة المتجددة أمام مرحلة جديدة. فالطموح الوطني حتى عام 2030 يتطلب توسعاً كبيراً في القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة، إلى جانب تطوير الشبكات وحلول التخزين وإدارة الاستهلاك. وهذا يعني أن السنوات المقبلة لن تتعلق فقط بزيادة عدد الألواح الشمسية، وإنما ببناء منظومة طاقة أكثر كفاءة ومرونة واستدامة.