حزب الله يوسع فعالية المسيّرات الهجومية: المقاومة تواصل الاصطياد داخل "الشريط الأمني"

10:34 ص, 11 مايو 2026
حزب الله يوسع فعالية المسيّرات الهجومية: المقاومة تواصل الاصطياد داخل "الشريط الأمني"

بلدنا- تكشف المعطيات المسجلة عبر عمليات المقاومة اللبنانية في يوم واحد فقط، أمس، عن انتقال الطائرات المسيّرة الانقضاضية من كونها سلاح إسناد إلى أداة اشتباك رئيسية تُستخدم لإدارة الاستنزاف اليومي ضد قوات الاحتلال “الإسرائيلية” المنتشرة داخل القرى الجنوبية المحتلة، وهو ما يفسّر تصاعد القلق داخل المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية”، والجدل المتنامي في الإعلام العبري حول عجز المنظومات الدفاعية الحالية عن احتواء هذا التهديد.

فعلى مستوى الكمّ والنوع، تُظهر العمليات أمس أن المقاومة نفّذت ما لا يقل عن 12 عملية مباشرة بواسطة المسيّرات الانقضاضية خلال ساعات قليلة، توزعت على أهداف متعددة تشمل دبابات ميركافا، جرّافات D9، مراكز قيادة، تجمعات جنود، تجهيزات فنية وآليات اتصالات.

هذا التنوع في الأهداف يعكس أن المسيّرات لم تعد تُستخدم حصراً لضرب أهداف ثابتة أو ذات قيمة رمزية، بل أصبحت جزءاً من بنك أهداف ميداني متكامل يطاول كل عناصر البنية العملياتية لقوات الاحتلال داخل الشريط المحتل.

الأبرز في هذه العمليات أنّها تركزت على نقاط انتشار وتحشيد فعلية لقوات الاحتلال داخل القرى الحدودية مثل دير سريان، البياضة، طيرحرفا، جلّ العلام والخيام، ما يعني أن المقاومة تعتمد نمط رصد التحركات ثم مهاجمتها. وهذا ما يفسر كثافة الاستهداف المتكرر لمنطقة خلّة راج في دير سريان، والتي تعرضت خلال ساعات لسلسلة ضربات متعاقبة.

كما تكشف العمليات عن تصعيد نوعي في طبيعة الاستخدام، إذ انتقلت المسيّرات من الضربات الفردية إلى العمل ضمن تشكيلات هجومية مركبة، كما في استهداف مقر قيادي في الخيام بمسيّرتين انقضاضيتين، أو مهاجمة موقع بلاط المستحدث بسرب من المسيّرات.

هذا التطور يحمل دلالة عملياتية مهمة، لأنه يعني أن المقاومة باتت تعتمد مبدأ «الإغراق التكتيكي» الذي يرهق قدرات الرصد والاعتراض الإسرائيلية، خصوصاً في البيئات الجغرافية الضيقة والمتداخلة.

ويتقاطع ذلك مباشرة مع ما كشفته القناة 12 “الإسرائيلية” عن إدراك القيادة الشمالية أن الرادارات ومنظومات الدفاع التقليدية لم تعد كافية لمواجهة هذا النوع من الهجمات، لا سيما مع اعتماد نسبة كبيرة من المسيّرات على التوجيه بالألياف الضوئية. أهمية هذا النوع من التوجيه أنه يقلّص فعالية الحرب الإلكترونية والتشويش، ويحرم جيش الاحتلال من إحدى أهم أدواته التقليدية في مواجهة المسيّرات، ما يفسر اعتراف المسؤول الميداني الإسرائيلي بأن اكتشاف المسيّرات يتم غالباً «بعد فوات الأوان».

وعبر مقارنة البيانات الميدانية بالمعلومات الإسرائيلية المنشورة، يظهر أن جيش الاحتلال يحاول الانتقال إلى حلول دفاعية «قريبة المدى» ومرتبطة بالمواجهة المباشرة، بدل الاعتماد على الاعتراض الجوي البعيد. فقرار توزيع مئات المناظير الذكية «بِجيُون» على القوات البرية، الذي نشرته وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى طلب ذخائر تشظية خاصة من الولايات المتحدة، يعكس عملياً اعترافاً ضمنياً بفشل طبقات الدفاع التقليدية في توفير حماية كافية للقوات المنتشرة داخل القرى الجنوبية المحتلة.

الأكثر دلالة أن هذه الإجراءات “الإسرائيلية” تبدو «ارتجالية واستدراكية» أكثر منها جزءاً من عقيدة دفاعية مستقرة. فالانتقال من الاعتماد على الرادارات والقبة الحديدية إلى مطالبة الجنود بإطلاق النار المباشر على المسيّرات بواسطة مناظير ذكية يعني أن التهديد بات يُدار على مستوى الاشتباك الفردي داخل الميدان، لا على مستوى السيطرة الجوية الشاملة التي طالما روّج لها جيش الاحتلال.

وعبر عملياتها، يظهر أيضاً أن المقاومة تربط بين المسيّرات والأسلحة النارية الأخرى ضمن منظومة استنزاف متكاملة. ففي أكثر من محور، جاءت ضربات المدفعية والصواريخ الموجهة والرشقات الصاروخية متزامنة أو متعاقبة مع هجمات المسيّرات، ما يشير إلى محاولة تثبيت قوات الاحتلال في الميدان ثم ضربها بمسيّرات انقضاضية خلال عمليات الإخلاء أو إعادة التموضع. وهذا ما توحي به عملية دير سريان إذ استقدم الاحتلال فيها قوة مساندة لسحب الإصابات تحت غطاء دخاني كثيف.

سياسياً ومعنوياً، تبدو هذه الوقائع عاملاً أساسياً في تصاعد أزمة الثقة داخل المستوطنات الشمالية. فالإعلام العبري لم يعد يناقش فقط حجم الخسائر، بل بات يناقش صدقية المؤسسة العسكرية نفسها. هجوم القناة 14 على الحكومة وهيئة الأركان بسبب ما وصفته بـ«الأكاذيب» المتعلقة بالإنذارات الوهمية يعكس اتساع الفجوة بين الرواية الرسمية والواقع الميداني الذي يعيشه المستوطنون. كما أن الحديث عن منع الرقابة نشر توثيقات مرتبطة بسقوط أو انفجار في “شلومي” يكشف حساسية المؤسسة الأمنية تجاه أثر المسيّرات على صورة الردع “الإسرائيلي”.

في العموم، تشير الوقائع المسجلة على الجبهة الجنوبية للبنان إلى أن المعركة دخلت مرحلة يتراجع فيها تأثير التفوق الجوي الإسرائيلي التقليدي أمام تكتيكات منخفضة الكلفة وعالية الفعالية تعتمدها المقاومة. فالمسيّرات الانقضاضية لم تعد مجرد سلاح مساعد، بل أصبحت أداة مركزية لفرض استنزاف دائم على قوات الاحتلال داخل الجنوب، وإرباك الجبهة الداخلية في شمال فلسطين، وتقويض الوعد “الإسرائيلي” بأن احتلال شريط أمني بعمق 8 إلى 10 كيلومترات سيؤدي إلى توفير الأمن للمستوطنات الشمالية.

صحيفة الأخبار