مردا تئن بصمت… حين تُقتلع الجذور وتُغلق الحياة خلف بوابات الاحتلال

01:10 م, 28 إبريل 2026
مردا تئن بصمت… حين تُقتلع الجذور وتُغلق الحياة خلف بوابات الاحتلال

بلدنا- -عهود الخفش- إلى الشمال الشرقي من مدينة سلفيت، وفي زاويةٍ تبدو منسية من الجغرافيا، تقف قرية مردا وحيدةً تحت وطأة واقعٍ ثقيل، وكأنها سجنٌ مفتوح تحيط به الأسلاك الشائكة، وتتحكم ببواباته الحديدية قرارات الاحتلال. هناك، لا يُسمع أنين القرية إلا في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تُختزل المعاناة في مشاهد متكررة من الانتظار، والخوف، وفقدان الأرض.

في مردا، التي يقطنها نحو 3000 نسمة، يتجسد الحصار بصورة واضحة؛ جدار فصل عنصري يطوّق أجزاءً واسعة منها، خاصة من الجهتين الجنوبية والشرقية، فيما تجثم مستوطنة "أريئيل" على الجبل المطلّ عليها، مستحوذةً على مساحات واسعة من أراضيها. تقع القرية في وادٍ تحيط به المرتفعات، ما يزيد من عزلتها الجغرافية، ويضاعف من صعوبة الوصول إليها.

يصف الناشط نصفت الخفش واقع القرية قائلاً إن مردا أصبحت "سجناً فعلياً"، في ظل تصاعد عمليات الاستيلاء على الأراضي تحت ذرائع مختلفة، كان آخرها مشروع لتوسعة شارع يُعرف بشارع "السامرة"، استهدف نحو 164 دونماً من الأراضي الزراعية. ويعني ذلك اقتلاع مئات أشجار الزيتون المعمّرة، ما يشكل تهديداً مباشراً لمصدر رزق عشرات العائلات، خاصة أن هذه الأراضي تُعد من أهم مقومات الصمود الزراعي للأهالي.

واضاف الخفش تبلغ المساحة الإجمالية لقرية مردا نحو 9300 دونم، فيما لا تتجاوز مساحة المخطط الهيكلي 730 دونماً فقط، أما بقية الأراضي فهي مصنفة "ج"، ما يجعلها عرضة للمصادرة. وقد تمت مصادرة ما يزيد عن 5000 دونم لصالح مستعمرة "أريئيل" والطرق الالتفافية، إضافة إلى جدار الفصل العنصري.

واشار الى ان التضييق لا يقتصر على مصادرة الأراضي، بل يمتد ليطال أدق تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحكم بوابتان حديديتان على مدخلي القرية بحركة الدخول والخروج، تُفتحان وتُغلقان وفق إجراءات الاحتلال، ما يحول تنقل المواطنين إلى رحلة انتظار مرهقة، تصطف خلالها المركبات في طوابير طويلة، ويُحتجز الوقت كما يُحتجز الناس.

ونوه الخفش أن القرية تتعرض لانتهاكات متكررة، أبرزها مصادرة ما يزيد عن 50% من أراضيها التي كانت تشكل مصدر دخل أساسي للمزارعين، إضافة إلى الإغلاق المستمر، ومنع الحركة، والمداهمات الليلية للمنازل، والاعتقالات، وما يرافقها من ترويع للأهالي.

هذا الواقع ينعكس بوضوح على حياة الأهالي، حيث يقول المواطن رياض، وهو يقف على أطراف أرضه التي يقوم بتجريفها الاحتلا بعينين مثقلتين بالعجز:" ما ورثناه عن اجدادنا ذهب برمجة عين لم يعد لنا ذكريات هنا، كل شيء أصبح مرهونا بقرارات احتلالية ظالمة دون إرادتنا".

أما ياسر، فيختصر المشهد بكلماتٍ موجعة:"نعيش في سجن كبير… حتى أنفاسنا أصبحت مراقبة".

وفي مشهدٍ لا يقل قسوة، تتواصل أعمال تجريف الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون المعمرة عند المدخل الشمالي للقرية، بحجة توسيع الشارع.

المزارع يوسف حجير يروي ما يجري بصوتٍ يختلط فيه الغضب بالحزن:"منذ أيام، يواصل الاحتلال أعمال التجريف واقتلاع أشجار الزيتون المعمرة في لحظات، تُقتلع أشجار عاشت مئات السنين، وكانت شاهدة على حكايات آبائنا وأجدادنا".

يتوقف قليلًا، ثم يُكمل بصوتٍ متحشرج: "لم تكن مجرد أشجار، كانت ذاكرة. اقتلعوها من جذورها، وكأنهم يستهدفون التاريخ قبل الأرض".

مشهد الجذوع اليابسة التي تُركت خلفها، والأرض التي فقدت روحها بعد أن كانت تنبض بالحياة، يلخص حجم الفقد الذي يعيشه أهالي القرية، حيث لا يُقتلع الزيتون فقط، بل يُقتلع معه جزءٌ من الذاكرة والانتماء.

ورغم كل ذلك، تواصل مردا صمودها بصمتٍ ثقيل. بين اقتلاع الشجر، ومصادرة الأرض، وخنق الحركة، يتمسك الأهالي بما تبقى من جذورهم، وبأملٍ لا يزال حيًا في صدورهم. فكل غصنٍ يسقط، يترك أثرًا عميقًا من الألم، لكنه في الوقت ذاته يعزز الإصرار على البقاء.

تبقى الأرض في مردا شاهدةً على حكاية صمودٍ تُكتب كل يوم، حكاية لا تُروى فقط بالكلمات، بل تُحفر في التراب، وتُسقى بذاكرةٍ تأبى أن تُقتلع، مهما اشتدت المحاولات.