رحيل "سيدة الشاشة الخليجية" حياة الفهد.. مسيرة من ذهب ومواقف من حديد

12:39 م, 21 إبريل 2026
رحيل "سيدة الشاشة الخليجية" حياة الفهد.. مسيرة من ذهب ومواقف من حديد

غيّب الموت صباح اليوم الثلاثاء، 21 أبريل 2026، أيقونة الدراما الخليجية الفنانة القديرة حياة الفهد عن عمر ناهز 78 عاما، بعد رحلة مريرة مع المرض استمرت لعدة أشهر.

ولدت حياة الفهد في عام 1948 في منطقة "شرق" القديمة بدولة الكويت، ونشأت في بيئة اتسمت بالقسوة بعد رحيل والدها وهي لا تزال طفلة صغيرة، ما ألقى على عاتقها مسؤوليات كبيرة صقلت شخصيتها القوية التي عُرفت بها لاحقا. ومن أكثر الحقائق إثارة للإعجاب في سيرتها الإنسانية أنها تركت مقاعد الدراسة في سن مبكرة جدا وهي لا تجيد القراءة والكتابة، لكنها طورت مهاراتها بجهود ذاتية لاحقا، فأتقنت اللغة العربية وقواعدها، كما تعلمت اللغة الإنجليزية، وهو ما مكنها لاحقا من التحول من ممثلة شابة إلى كاتبة سيناريو محترفة وشاعرة مبدعة، حيث أصدرت ديوانها الشعري الشهير "عتاب" في نهاية السبعينيات.

واجهت حياة الفهد في بداية مسيرته الفنية ممانعة شرسة من والدتها التي كانت ترى في عالم التمثيل خروجا عن العادات والتقاليد الاجتماعية الصارمة التي كانت تحكم المجتمع الخليجي آنذاك، إلا أن شغف حياة الفهد الفني الذي لم يكن له حدود دفعها للإصرار على موقفها وتحمل كافة الضغوط، لتبدأ أولى خطواتها الحقيقية في عام 1962.

كانت الانطلاقة الفعلية التي قدمتها للجمهور كانت من خلال فرقة "بو جسوم" الشهيرة، حيث شاركت في مسلسل "عائلة بو جسوم"، وهي المحطة التي شكلت حجر الزاوية في مسيرتها الطويلة.

مع مرور السنوات، شكلت حياة الفهد مع رفيقة دربها الفنانة سعاد عبدالله ثنائيا فنيا ذهبيا وتاريخيا لم يتكرر في ذاكرة التلفزيون العربي، حيث قدمتا معا روائع كوميدية واجتماعية خالدة، استطاعت من خلالها ملامسة هموم الشارع الخليجي وتفكيك قضاياه بأسلوب جمع بين البساطة والعمق.

ومع نضج تجربتها الفنية، قررت حياة الفهد الانتقال نحو منطقة أكثر تعقيدا وهي الدراما التراجيدية والواقعية الاجتماعية القاسية، حيث برعت في تقمص أدوار الأم المضحية والمرأة المسحوقة والمكافحة في أعمال مفصلية غيرت وجه الدراما، ما جعلها تستحق لقب "سيدة الشاشة الخليجية" بجدارة مطلقة.

التكريمات: حصاد التميز

لم تمر مسيرة حياة الفهد الفنية دون تقدير رسمي ودولي؛ فقد حصدت أرفع الجوائز، منها "جائزة الدولة التقديرية" و"جائزة الدولة التشجيعية" في الكويت. وعلى الصعيد العربي، نالت الجائزة الذهبية في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون، وجائزة صناع الترفيه الفخرية (Joy Awards) في السعودية عام 2023. وقبل رحيلها بفترة وجيزة، توجت بجائزة "الدانة التقديرية" من مملكة البحرين عام 2025، لتكون مسك الختام لمسيرة مرصعة بالذهب.

مواقف تصادمية: الصدق في زمن "المجاملة"

اتسمت السنوات الأخيرة من حياة الفهد بصراحة بلغت حد الصدام؛ حيث أثارت تصريحاتها في أزمة كورونا عام 2020 حول "العمالة الوافدة" ضجة عالمية، واجهت بسببها اتهامات بالعنصرية، لكنها دافعت عن موقفها بدافع "الخوف على الوطن".

كما لم يخلُ مسلسلها "أم هارون" الذي تناول قصة ممرضة يهودية عملت في الخليج خلال الأربعينيات، من جدل سياسي واسع لاتهامها بالترويج للتطبيع، إلا أنها ظلت صامدة، مؤكدة أن مهمة الفن كشف المستور وتوثيق التاريخ الإنساني بعيدا عن الأيديولوجيات. كما حاربت غزو مشاهير التواصل الاجتماعي للفن، واعتبرتهم دخلاء أفسدوا هيبة المهنة.

ويرى النقاد أن سر بقاء حياة الفهد في القمة رغم عواصف الجدل يكمن في "صدقها المتطرف". فقد نجحت في الموازنة بين مواقفها التصادمية وبين تاريخها الحافل الذي جعلها "جدة" لكل بيت خليجي. الجمهور لم يكن يرى فيها مجرد ممثلة، بل شخصية وطنية وقومية تعبر عن هواجس المجتمع الكويتي المحافظ، ما منحها حصانة شعبية جعلت محبيها يغفرون لها حدتها، ويقدرون فيها شجاعة "قول الحقيقة" في زمن الزيف.

الوداع الأخير: إرث يتحدى النسيان

برحيل حياة الفهد، لا تفقد الساحة الفنية العربية مجرد ممثلة، بل تفقد عمودا فقريا للدراما، ومدرسة في الإرادة تعلمت فيها الأجيال كيف يمكن لفتاة أمية أن تصبح شاعرة وكاتبة وأيقونة. رحلت "أم سوزان" تاركة خلفها أكثر من 50 مسلسلا وعشرات المسرحيات، ومؤسسة إنتاجية رائدة.

وغيابها اليوم ليس مجرد فقدان لموهبة، بل هو غياب لمنظومة قيم فنية كاملة كانت تصر على أن الفن رسالة صمود وهوية.

المصدر: RT