ما بعد رمضان: كيف نضبط الإيقاع الحيوي مجدداً

02:39 م, 12 إبريل 2025
توضيحية
توضيحية

بلدنا-

الكاتبة: د.إيثار زياد ثبتة

ودعنا قبل أيام شهر رمضان الفضيل، وانتهت رحلة هذا العام، سافرنا فيها وتنقلنا ما بين العبادات والروحانيات واللقاءات الاجتماعية بكثافة قد لا تكون معهودة لدى المعظم، ترافق ذلك مع اختلاف في مواعيد وكميات الطعام والنوم والاستيقاظ ما بين إفطار وسحور، صيام وتراويح وذهاب إلى العمل أو مقاعد الدراسة وغيره مما تمليه علينا طبيعة الشهر الفضيل وطبيعة حياتنا العصرية. ومع رحيل هذا الشهر وما تلاه من أيام عيد الفطر -أعادهما الله علينا باليمن والخير والبركة-، يصطدم الكثيرون بصعوبة إعادة ضبط ما يعرف بالساعة البيولوجية، وبشكل اكثر تحديدا، بالإيقاع اليومي (بالإنجليزية: Circadian Rhythm)، وهو ما ينعكس على قدرتهم على النوم والاستيقاظ بالشكل السليم الذي يوفر لهم القدرة على التمتع بوظائفهم الحيوية والحياتية دون الإخلال فيها ودون التعرض للمشكلات الصحية المرافقة، ولكن لا داعي للقلق فكما أن الإيقاع اليومي قد اختل فإن إعادة الضبط سيكون متاحا كذلك إذا ما اتبعنا الإرشادات الصحيحة التي سيعرضها هذا المقال.

إيقاع الجسم الداخلي اليومي .. اللحن المنسجم

لا بد في البداية أن نعرج على مفهوم ايقاع الجسم اليومي Circadian Rhythm هو ذلك التناغم البيولوجي الذي تنظمة الساعة البيولوجية داخل أجسامنا والتي تقوم بمهمة التنبيه لهذا الايقاع اليومي الذي يستمر مدة 24 ساعة، ويستجيب بشكل أساسي للضوء والظلام الذي يحيط بنا. وفي حالات كثيرة قد يضطرب هذا الايقاع ويختل وينتج عنه ما يشبه "النشاز في اللحن" مما يؤثر على اليقظة، الجوع، عملية التمثيل الغذائي، الخصوبة، المزاج وغيرها من الظروف الفسيولوجية الأخرى مما قد يورث الإنسان على المدى البعيد اختلالات وظيفية متعددة كالأرق والسكري والاكتئاب، حتى ان فعالية بعض الأدوية ترتبط وتنسجم مع تناولها في اوقات محددة يتلاءم مع هذا الايقاع. هذه الساعة البيولوجية الداخلية قادرة على التكيف واعادة ضبط نفسها بنفسها إذا ما تم فهم العوامل والأسباب المؤدية لهذا الاختلال.

النسق اليومي والتوازن الهرموني .. علاقة تفاعلية

تلعب الهرمونات دورا رئيسياً في تنظيم عملياتنا الحيوية الفسيولوجية، وتكون بمثابة رسائل تفرز بواسطة الغدد وتنقل من خلال الدم لضمان قيام أعضاء الجسم بوظائفها "متحالفة" بشكل طبيعي مع الجهاز العصبي، وإذا ما كان الإيقاع اليومي مضطربا كما في حالات السهر الطويل وعدم انتظام مواعيد النوم والطعام فإن ذلك ينتج عنه اختلال في إفراز الهرمونات ... وعلى الجانب الآخر، فإن التوازن الهرموني السليم يعزز من قدرة الجسم على الاستجابة للايقاع اليومي بشكل أكثر فاعلية مما يضمن تنظيم القدرة على النوم واليقظة وغيرها من العمليات الحيوية الأخرى.

ويبقى التساؤل كيف أبدأ ومن أين؟ ..

إن هذه العلاقة التبادلية التفاعلية بين الايقاع اليومي والتوازن الهرموني هي رسالة عظيمة من الخالق، تمنحنا فرصة البدء بخطوات عملية فعالة لإعادة ضبط هذا التناغم البيولوجي الضائع، وإن البدء بأي خطوه من شأنه تفعيل دوائر العمل في الجسم، تماما كما تحرك مسننات المحرك ليبدأ الجسم عمليات الاصلاح الذاتي بشكل متناسق ومتوازن، بحيث يخدم كل جزء منه الآخر مسهلا له الطريق، وفيما يلي 9 ممارسات يمكن القيام بها، بعضها او كلها وقد تتدرج تباعا بشكل متلاحق متكامل إذا ما وجد الشخص الأثر الإيجابي خاصة إذا ترافقت مع بيئة معززة بشكل جماعي مع العائلة والأصدقاء:

أولا، تحديد موعد ثابت للنوم والالتزام به، فإن ذلك من شأنه اعادة ضبط ايقاع النسق اليومي مع توقيت الليل والنهار، ومن الممكن ان يكون ذلك بشكل تدريجي "مثلا الرجوع عن موعد السهر عشر دقائق كل يوم" حتى تعود إلى الروتين الطبيعي أو حتى الوصول لموعد مناسب، مع اهمية الحفاظ على بيئة نوم هادئة في غرفة مظلمة بعيدا عن الأجهزة الالكترونية حيث أن الضوء يمكن ان يعيق افراز هرمون الميلاتونين (هرمون النوم).

ثانيا، التعرض للضوء الطبيعي في الصباح الباكر فإن لذلك تأثيرا ايجابيا يتعدى الاستمتاع باللحظات المنعشة، إن من شأنه تنظيم افراز هرمون الميلاتونين كما ويحفز افراز هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) مما يساعد على الاستيقاظ والشعور باليقظة.

ثالثا، الانتظام في ممارسة الرياضة والتي تساهم أيضا في تقليل مستويات الكورتيزول وتعزز من افراز هرمونات تتعلق بالمزاج واهمها الاندورفين (جزيئات الامل)، من المهم مراعاة توقيت ممارسة الرياضة كأن تكون في الصباح أو بعد الظهر بدلا من المساء حتى لا تؤثر على جودة النوم.

رابعا، تنظيم مواعيد الطعام، فتناول الوجبات في نفس التوقيت يوميا يساعد الجسم على تنظيم افراز هرمونات الجوع والشبع (انسولين، الجريلين، اللبتين)، والتأكد من أن الوجبات تحتوي على مزيج متوازن من البروتينات والكربوهيدرات الصحية والدهون الجيدة، وان لا تكون في اوقات متاخرة من الليل.

خامسا، العمل على إدارة التوتر بشكل فعال لان التوتر المزمن يتسبب في ارتفاع الكورتيزول مما يؤثر على الصحة العامة وجودة النوم، يمكن تعلم وممارسة العديد من الاستراتيجيات كتقنيات الاسترخاء، التأمل والتنفس العميق، والحصول على قسط من الراحة والترفيه بعيدا عن الضغوط اليومية.

سادسا، الابتعاد عن المنبهات قبل النوم وأهمها الكافيين (الشاي والقهوة ومشروبات الطاقة) او أي أدوية من تلك التي يكون من اعراضها الجانبية الأرق في فترة ما بعد الظهر، أو التقليل من كميتها، والاكتفاء بها قدر الإمكان في فترات الصباح.

سابعا، الاسترخاء قبل النوم وتبني عادات صحية تساعد على الدخول في النوم مثل القراءة، الاستماع لأصوات هادئة، أخذ حمام دافئ، تمارين التنفس العميق، فإن ذلك يساعد على إفراز الميلاتونين والبدء بالشعور بالنعاس بشكل طبيعي.

ثامنا، الحفاظ على التوازن الغذائي من خلال تناول المغذيات التي تدعم صحة الغدد المفرزة للهرمونات كالدهون الصحية (مثل الاوميغا-3) والمعادن (مثل الزنك والمغنيسيوم والحديد) والفيتامينات (مثل مجموعة فيتامينات B وفيتامين D)، والتي يمكن الحصول عليها من خلال الطعام بالدرجة الأولى أو المكملات الغذائية على شكل أقراص، كما أنه من المهم تجنب الاطعمة التي تحتوي على كميات عالية من السكر والاطعمة المعالجة لتأثيرها المباشر على مستويات الجلوكوز والانسولين مما يؤثر على التوازن الهرموني وبالتالي جودة النوم.

تاسعا، العناية بالصحة العامة والقيام بفحوصات طبية دورية سواء للهرمونات أو الفيتامينات والمعادن بحسب ما يراه الطبيب، خاصة عند استمرار الشعور بأعراض غير معتادة كالتغيرات في مستويات الطاقة، المزاج، الشهية وغيرها، من المهم عندها الاستشارة الطبية.

وفي الختام ... فإنه وعلى الرغم من ان شهر رمضان الفضيل قد انقضى بحلو الليالي التي نسأل الله أن يكون قد غفر لنا بها تاركاً فينا آثاره الطيبة روحياً وجسديا وفكريا، ولربما كنا بحاجة ماسة إلى هذا التغيير في كسر الوتيرة والروتين متزودين منه بطاقة إيجابية تقربنا من الله بالدرجة الأولى، ويمنحنا فرصة لتجديد الحياة الصحية وضبط ايقاع أيامنا بما يرقى بصحتنا الجسدية ويعزز من رفاهيتنا، بخطوات صغيرة وتغيرات تدريجية نتحلى فيها بالصبر والمثابرة نعود لحالتنا المثلى أو نصنع حالة جديدة بنمط حياة أكثر صحة واستمرارية نحو التحسين، حاملين معنا الشوق والأمنيات عاماً آخر منتظرين بالأمل والرجاء عودة هلاله بأمن وأمان وسلامة وإسلام.