عبد الحميد أبو سرور.. الشهيد الفريد عاش بهدوء ورحل بانفجار أسمع دويه العالم أجمع
حكاية شهيد
تقرير: ديما دعنا
خاص لشبكة بلدنا الاعلامية
"الفريد" هكذا كان يطلق على الشاب عبد الحميد ابو سرور من مخيم عايدة في مدينة بيت لحم ، كان هدوءه فريدا من نوعه لكنه كما يقال "ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة" ، أحبه الجميع من حوله فقد كان طفلا مرحا وشابا مثقفا واعيا ، ومميزا بكل خصاله والأكثر حنانا وطيبة؛ بتلك الكلمات بدأت والدته أم أحمد حديثها لشبكة بلدنا الاعلامية عن نجلها عبد الحميد ( عبود ) طفلها المدلل والاقرب الى قلبها منذ صغره .
وتضيف: عبد الحميد هو الثاني بين أخوته أحمد والاء وعرين وشام من مواليد عام 1997 ، منذ ولادته لم أكن أشعر بوجوده فلم يكن كثير البكاء ولا الصراخ كغيره من الأطفال الرضع ، كان هادئا لابعد حد ، ذكيا منذ صغره ، يحب الحيوانات والاكثر لطفا معها ، كبر حميد واشتد عضضه ، فأصبح اكثر مرحا وخفة ظل حتى أننا أطلقنا عليه "سكر البيت" لشدة مرحه ومزاحه ولم يكن يرضى بأن ينام أحد في البيت وهو حزين او يشعر بالضيق، وكان يضفي في قلب المهموم الألفة والمحبة ويعيد بذكائه على وجهه البسمة .
حبُ المخيم والفريد
أحبَّ عبد الحميد المخيم وتعلق فيه ، فقد كان يمرح بين جنباته وحاراته ويجلس على أرصفته فصنع الكثير من الذكريات فيه كما أحب قصص المخيم وحكاياته خاصة قصص الأسرى والشهداء، تقول أم أحمد: سكنا في المخيم عدة سنوات ، كبر فيه عبد الحميد ، وكونَّ العديد من الصداقات والعلاقات والرفاق وهم الذين أطلقوا عليه لقب "الفريد"، وحين انتقلنا للعيش خارجه كان منزعجا جدا من الامر، وكان يوميا لابد ان يمر على المخيم يسلم على بيت جده ويجلس مع رفاقه ومن ثم يعود الى المنزل .
وتتابع والدمع في عينيها: عبود لم يكن يشبهه أحد ، كان فريدا كما كان يطلق عليه ، زاهدا في الحياة لا يهتم للمظاهر ولا المال ، وليست من ميوله السيارات او اللباس او الهواتف الذكية كغيره من الشبان ، يفعل الخير دون مقابل، يعطف على الصغير ويرعى الكبير ، كاتما للاسرار لا يغتب احدا ولا يشارك احد في ذم غيره.
صفات الفريد كانت فريدة ، حتى قصة استشهاده لم تكن متوقعة ، وتستكمل والدته حديثها بالقول: عبد الحميد كان متفوقا دراسيا ، لكن تغير حاله حين وصل صف الحادي عشر فلم يعد يرغب في الدراسة حتى انني لم اكن اتوقع نجاحه في الثانوية العامه ، وكان اكثر اهتماما بقصص الاسرى والشهداء وينشط كثيرا في اقتحامات الجيش الاسرائيلي للمخيم.
وتتابع : عاد عبد الحميد لهدوئه في الثانوية العامة ودرس جيدا لكن ليس بالمستوى المطلوب، وبالفعل لم ينجح ورسب في مادتين وكان من المفترض ان يستكملهما حتى يلتحق بالجامعة ، التزم في الدراسة ولم يخرج من المنزل الا قليلا ، ولم يكن يحمل هاتفه كثيرا ، فلم أشعر للحظة بأن عبد الحميد سيقوم بتنفيذ عملية ، فليس لديه أجندة او انتماء لاي تنظيم ولم يبدو عليه بأنه سيقوم بأمر ما بتاتا.
الشهادة والغداء الاخير
كان كل شيء على ما يرام، عبد الحميد كان يسعى للنجاح في مادتي الاكمال حتى يلتحق بالجامعة ، يصحو وينام ومن ثم يعود للدراسة، هكذا قالت والدته وتضيف: في يوم تنفيذه للعملية في شهر نيسان كان الجو باردا ، وكان عبد الحميد نائما في غرفته ، دخلت عليه لاتفقده فوجدت نافذة غرفته مفتوحة على غير العادة وهو غارق في نومه كالاطفال، قبلته وقمت بوضع الغطاء على جسده فقد خفت عليه من أن يشعر بالبرد ومن ثم انطلقت إلى عملي فأنا أعمل معلمة في احدى المدارس، وعند الساعة الحادية عشرة ظهرا هاتفني عبد الحميد واخبرني بأنه سيخرج ليشتري السكاكر والحلويات من البقالة التي بالقرب من المنزل ، فقد كان يحب الشوكولاته كثيرا
عدت الى المنزل وجلسنا على الغداء جميعا وتبادلنا أطراف الحديث والمزاح، لم يكن عبد الحميد مشغول البال او تائها بل كان كعادته يمزح ويضحك ويأكل كثيرا ، وبعد الغداء هاتفت أمي وهي تقطن في دمشق وحدثها عبد الحميد واطمأن عليها ، وطلبت منه أن ينجح في المادتين لتستقبله عندها ليلتحق باحدى الجامعات السورية وهو وعدها بذلك ومن ثم استأذن منها ليستكمل دراسته.
عاد عبد الحميد إلى غرفته ومن ثم نزل إلى المطبخ واستأذن مني الذهاب الى البقالة ليشتري المثلجات وسألني ان كنت اريد فأجبته ضاحكة : " انت كريم ونحن نستاهل" ، غادر عبد الحميد المنزل عند الساعة الرابعة عصرا وتحديدا في 19 نيسان من عام 2016 ولم يعد حتى اليوم تضيف باكية.
مرت ساعات على غيابه ، استفقدته وطلبت من اخواته الاتصال به ، لكنه لم يجب فظننت انه نسي هاتفه كعادته في غرفته، شعرت بالخوف والقلق فهو لم يعتد الغياب كل تلك المدة ، حلَّ المساء ولم اعرف عنه شيئا وتوقعت الاسوأ بأن يكون معتقلا لدى جيش الاحتلال او ربما تعرض لحادث سير، حتى هاتفنا ضابط المخابرات واستدعى زوجي للتحقيق ، اطمأن قلبي قليلا فقلت ربما انه معتقل، فانتظرت زوجي حتى يعود لكنه لم يعد هو أيضا ، لم يهدأ قلبي ولم يغمض لي جفن وكلما دقت الساعة كلما زاد خوفي وقلقي ..
"نصف شهيد"
اجتمع الاقرباء والاصدقاء والجيران عندي في البيت وبقينا ننتظر لعله يصلنا أية أخبار عن عبد الحميد او زوجي لكن الساعات مرت كأنها أيام ، وعند حوالي الساعة الثالثة فجرا ، اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال المنزل وجاء الضابط العسكري وسألني عن سبب تجمهر الناس ؟ ومن ثم أضاف: "بكير على العزاء" ، فأجبته بخوف : لمن العزاء؟ فأجاب الضابط بالحرف الواحد وبلغة عربية ركيكة وباستهزاء : "ابنك نص شهيد" ، صدمة ، فاجعة ، انهارت قواي، انفجرت باكية
رحل الفريد بعد تنفيذه عملية تفجيرية في حافلة للمستوطنين قرب مستوطنة غيلو جبوب القدس المحتلة اصيب فيها 21 مستوطنا وصفت جراح اثنين منهم بالخطيرة و7 بجراح متوسطة واحتراق الحافلة بأكملها فيما اصيب عبد الحميد بحروق صعبة استشهد بعدها بيومين حيث أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في 20 نيسان عام 2016 استشهاده متأثرا بجروحه، وكان عبد الحميد قد استطاع اجتياز عشرات الحواجز ونقاط التفتيش التابعة للجيش وتجول في البلدة القديمة من القدس ومن ثم صعد الى الحافلة وزرع عبوة ناسفة محلية الصنع.
دون وداع ولا عناق
لم اودع عبود ولم أره منذ ذلك اليوم فقد كان ذلك الغداء الاخيروالضحكة الاخيرة على طاولة واحدة حتى انني لم أشيع جثمانه الطاهر على الاكتاف إلى مثواه الاخير، تقول أم احمد والالم يعتصر قلبها : قام الاحتلال باحتجاز جثمانه، ومن ثم قاموا بنقله الى مقابر الارقام بتاريخ 8-5-2017 بقرار من المحكمة الاسرائيلية وقاموا بدفن 4 شهداء آخرين الى جانب عبد الحميد .
أرادت ام احمد معرفة مكان دفن ابنها وهو اقل حق من حقوقها، فلم تهدأ للحظة أو تسكت، وبعد الضغط والمتابعة الحثيثة مع مؤسسة عدالة استطاعت ان تنتزع التقرير الطبي من معهد الطب العدلي الاسرائيلي "أبو كبير"، الذي بين أن عبد الحميد دفن في مقبرة " عامي عاد" احدى مقابر الارقام السرية التي يدفن فيها الاحتلال جثامين منفذي العمليات الفدائية ، ويوضح التقرير أن الجثمان عبارة عن 3 أكياس فيها أشلاء الشهيد وساعة الدفن ورقم القبر والسطر الذي يتواجد فيها التابوت المعدني والذي يرقد فيه جثمان الشهيد "الفريد".
عاش الفريد هادئا ورحل بوداع صاخب لم يتوقعه أحد ، استشهد وفي قلوب الكثيرين حكايات فريدة لمواقفه الانسانية فقد كان دائما يساعد الناس حتى مصروفه الشخصي كان يقدمه للفقير والمحتاج.