الصحفي جودت مناع في رثاء ابن أخيه الشهيد عمر مناع يكتب ....
عمر ... طفولتك إرث مشرف في الذاكرة
الألم الفلسطيني متشابه في مشاعره وأحاسيسه تجاه فقدان من نحب. هذا الصباح استيقظت لأتصفح التقارير الإخبارية التي تردني تباعا حول ما يجري في فلسطين ، من بين الأخبار كان نبأ اجتياح العدو الإسرائيلي لمخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين. المخيم الذي ولدت وكبرت طفولتي بين خيامه وتركت بقايا أقدامي الحافية على طرقاته الوعرة. خبر أخر يصلني مفاده استشهاد شاب وإصابة ستة شبان آخرين برصاص جنود العدو في المخيم.
في تلك اللحظات استنفذت قدرات الحاسة السادسة التي خلصت إلى أن أحد أبناء اخي يوسف قد يكون هو الضحية التالية في المخيم. لحظات ورد اسمه في تقرير آخر وصل إلى هاتفي النقال. إنه عمر. حينئذ ، أدركني الحزن لكنه هذه المرة يختلف عنه في الماضي. قد يكون هذا الألم مبررا ومبللا لمفاجأة دهمت وحدتي المنشغلة بهموم الناس في بلادي وتقدمي في العمر واسفاري التي فرضتها علي مهنة الصحافة.
كان فجرا مشابها لفجر يعبد وعصر حوارة وجنين ومخيمها وشعفاط والقدس في قلب كل أبنائه. حزن وألم ودموع.
عمر يشبه من سبقه من الشهداء في ذاكرتي رغم أنه ابن أخي يوسف الذي كان أسيرا هو الآخر. إلا أنه ترك لمحات من طفولته في ذاكرتي. لم التقيه شابا.. آنذاك اعتدت على مشاهدته في حضن أبي "جده". يلهو معه في غرفة صغيرة وبيديه الحلوى التقليدية في المخيم. تلك الغرفة بنيت بديلا لغرفة الأونروا التي تآكل سقفها وجدرانها بعد مضي عقود على انشائها بعد النكبة.
لم أحظ بالحنان الذي أحاط أبي حفيده به ، ليس لأنه قاسيا بل لأن والدي أمضى معظم حياته إما في غرف الاعتقال أو السفر لعل الحظ يحالفه بتوفير فترة من الهدوء والأمن في حياته. حالة أسست لعلاقة تجاوزت عاطفة الأبوة بين الأب وابنه. أدرك أن فترات اعتقاله الطويلة كان لها أثرا عميقا في هذه العلاقة. لذلك أفهم ما يعني لي أن العرف والدي وانا في الصف الثالث من المرحلة الابتدائية عندما التقى وعيي به أول مرة.
لا اعرف الصفات الكثيرة عن عمر بل اعرف صوته الجهور الشاب، ضحكته المفعمة بالفرح بعد كلمات يرسلها لي عبر الهاتف بعد تحريره من الأسر وانتقاله إلى مرحلة النضوج عندما التحق بجامعة القدس المفتوحة. هكذا وجد عمر فسحة من الوقت للعمل في مخبز العائلة في مدخل المخيم يرد صباحاته على المغادرين إلى أعمالهم أو العودة منها أو التسوق من بيت لحم الملاصقة للمخيم.
عمر... صانع الخبز اغتالوه ظنا منهم أن المخيم سيجوع بعد رحيله. ذلك المشهد رأيته لأول مرة؛ قطع العجين وطريقة فردها بين كفيه وابتسامة واثقة تنظر نحو المارة ثم يلحفها على مخدة ويقلبها على صاج ملتهب حتى تنضج فينزعها ويلقي بها إلى منضدة خشب إلى يساره.
رحل عنا وقلبي مع أخيه يزن وهو اسير سابق الذي اعتقله جنود العدو وانهالوا عليه بالضرب بأعقاب البنادق والركل بأحذيتهم الثقيلة بعد أن فاجأه الجنود وهو غارق في النوم في غرفة جده.
لم يرق لعمر سماع صراخ أخيه بين لكمات الجنود الفاشلين. هب لنجدته لكن الجنود الأعداء رموه بأربع رصاصات غادرة نالت منه ومن حياته. إنه الإعدام الذي يستوجب الثأر .
صنيع الاحتلال بممارساته البشعة لا تنتهي عند عمر ويزن تماما مثلما كانت في كل مدينة وقرية ومخيم. بل حلقة في سلسلة عدوان لن يستطيع كسرها سوى ابطالنا في فلسطين بشجاعتهم وإقبالهم إلى ميادين الشرف.
ورسالتي للفاشيين اليهود في إسرائيل هي أن الوقت لن يطول ، كنتم في قطاع غزة احتلالها كان أشد قسوة وإرهاب. لكن عزيمة ابنائنا العظماء كانت كحبال المشانق على مستوطناتكم فاضطررتم إلى الهرب لجحوركم في قلب فلسطين. هذا هو مصيركم أيها الاوغاد.
المجد للشهداء.. الشفاء لجرحانا البواسل.. الحرية لأسرانا الابطال.
#جودت_مناع #مخيم_الدهيشة #بيت_لحم