شبكة بلدنا الاعلامية
شبكة بلدنا الاعلامية

رُضع في حاجة لحليب عاجل!

11:25 ص, 10 أغسطس 2026
رُضع في حاجة لحليب عاجل!

من المفارقات أن هنري نستله، مؤسس الشركة العالمية الشهيرة، كان أول من ابتكر تركيبة حليب أطفال في العالم، وقد أتته الفكرة من زوجته العاقر.

Sputnik

في أوائل ستينيات القرن التاسع عشر، تزوج هنري نستله، ولم تكن زوجته كليمنتين قادرة على الإنجاب، لكنها، كما يحدث أحيانا في مثل هذه الحالات، كانت تحب الأطفال بشكل مضاعف. هي صاحبة فكرة ابتكار أغذية الأطفال، نظرا لنقص حليب الأم لدى الكثير من الرضّع، وهي التي لفتت انتباه زوجها إلى المشكلة، لأن النساء العاملات في مصنعه كنّ مرهقات ولا يستطعن دائما تخصيص الوقت الكافي لأطفالهن. دفع ذلك نستله إلى البحث، وهكذا، في عام 1867، ابتكر أول تركيبة حليب أطفال في العالم، كما صمم شعار شركته، عش الطائر، رمزاً للأسرة والتقاليد.

في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر، كانت وفيات الرضع مأساة شائعة ومؤلمة، إذ كان يموت طفل من بين كل خمسة أطفال تقريبا قبل بلوغه عامه الأول. وكان من أهم الأسباب عدم وجود بديل آمن وسهل الهضم للرضع الذين لا يستطيعون تقبّل الرضاعة الطبيعية، إذ إن أغذية الرضع المتوفرة غالبا ما كانت معقدة، وتستغرق وقتا طويلا في التحضير، ولا يتحملها الأطفال بسهولة.

علاوة على ذلك، كانت البدائل في تلك الحقبة محفوفة بالمخاطر، فحليب البقر أو الماعز مثلا لم يكن يُهضم جيدا في أمعاء الرضّع غير المكتملة النمو، كما أن حليب الرضاعة الطبيعية قد ينقل عدوى خطيرة مثل الزهري إلى الطفل.

استغرق الأمر قرابة خمس سنوات للعثور على الوصفة المثالية. جرّب نستله مزج مكونات مختلفة، وأخيرا، في عام 1867، ظهر "دقيق حليب هنري نستله"، الذي كان يتكون من حليب البقر ودقيق القمح والسكر. استخدم نستله آلة تفريغ خاصة، فحصل على مستخلص جاف من الحليب، وخلطه مع المكونات الأخرى، ثم طحن الخليط وحوله إلى مسحوق. وكانت الطريقة سهلة، إذ يكفي إذابة المسحوق في ماء دافئ لتحصل بين يديك على طعام مغذ.

لم يكتفِ نستله بابتكار هذا المنتج، بل سارع إلى الترويج له، فكتب مقالات علمية مبسطة يشرح فيها الصعوبات التي تواجهها الأسرة عندما لا يكون حليب الأم كافيا، وكيف حلت التركيبة الجديدة هذه المشاكل. واختار شعاراً عبارة عن عش فيه طائر وفراخ، وهو شعار عائلته، فارتبط هذا الرمز ارتباطا وثيقا بالرعاية والتغذية.

تحدد مصير هذا الاختراع بحادثة خاصة، إذ أنجبت إحدى موظفات المصنع طفلاً قبل أوانه وكانت حياته في خطر. لم يستطع الرضيع، الذي أطلق عليه نستله اسم "الطفل الصغير"، تحمّل حليب أمه أو أي بديل آخر، فتولى نستله المهمة وأطعمه بتركيبة مخففة للغاية من تركيبته الجديدة، وسرعان ما تعافى الرضيع واستعاد قوته.

بعد ذلك، اكتسب "دقيق الحليب" شهرة واسعة، وسرعان ما بدأ بيعه على نطاق واسع في أوروبا. إثر ذلك، انتشر خبر هذا "المنتج المعجزة" بسرعة، ففي عام 1867، وهو نفس عام إطلاقه، لم يُنتج منه سوى 8600 علبة، إلا أن الطلب ارتفع بشكل هائل ليصل إلى أكثر من مليون علبة بعد ثماني سنوات فقط، في عام 1875.

في عام 1868، حصل نستله على براءة اختراع، وفي عام 1875 باع الشركة لشركائه وانسحب من العمل. هكذا شكّل هذا الاختراع بداية تاريخ نستله، وخطوة هامة في خفض وفيات الرضع على مستوى العالم.

لاحقا، خضع تركيب المنتج الخاص بالأطفال الرضع لتحسينات مستمرة. ففي عام 1926، افتتحت شركة نستله مختبرا لمراقبة الجودة وأبحاث استخدام الفيتامينات والمعادن لتدعيم حليب الأطفال، وابتكرت في عام 1927 أول تركيبة حليب مخمر، وفي عام 1934 أول تركيبة حليب مخمر مُعدّلة مُدعّمة بالعناصر الغذائية الدقيقة، ثم أُضيف في عام 1984 الحمض الأميني الحيوي "التورين" إلى التركيبة، وفي أواخر التسعينيات أُضيفت مادة "النيوكليوتيدات". عقب ذلك، بدأت شركات متخصصة في تطوير تركيبات مخصصة لفئات مختلفة من الأطفال، فمثلا في عام 1929 طُرحت أول تركيبة حليب الصويا "سوبي" للرضع الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز، وفي عام 1942 ابتُكرت "نيوترا ميجن"، وهي أول تركيبة حليب في العالم تعتمد على بروتين الحليب المُحلل.

في عام 1978، ابتكرت نستله أول تركيبة حليب للأطفال الذين ولدوا قبل الأوان، وفي عام 1987 أول تركيبة حليب مضادة للحساسية تحتوي على بروتين مُحلل. هكذا بدأ "المنتج المعجزة" ثم تطور ولا يزال، كي لا يبقى أي رضيع جائعا لسبب أو آخر.

المصدر: RT