شبكة بلدنا الاعلامية
شبكة بلدنا الاعلامية

اللعب… حين يصبح جسرًا ثابتًا في عالم متغير

09:51 ص, 29 يونيو 2025
توضيحية
توضيحية

بلدنا-الكاتبة: د. إيثار زياد ثبتة

استوقفني مؤخرًا اقتباس مأثور لطبيب الأطفال الإنجليزي وأحد أهم الرواد في علم نفس الطفل، دونالد وينيكوت (Donald Winnicott)، يقول فيه: "اللعب هو الجسر بين الواقع والخيال، حيث يعالج الطفل مشاعره وتجربته". عبارة موجزة لكنها تسبر أغوار الطفولة وتفتح لنا آفاقا ندرك من خلالها أن اللعب يشكل عنصرًا أساسيًا في حياة الأطفال، ليس فقط كوسيلة للترفيه أو للتعلم، بل هو لغة أساسية يتواصلون بها، ويعبرون من خلالها عن ذواتهم واحتياجاتهم، ويتعاملون بها مع مشاعرهم وأفكارهم. هذا في الظروف العادية، ولكن في الظروف الاستثنائية فلا بد من أن نفرد له مساحة أكبر نتساءل فيها، كيف يمكن توظيف اللعب فعلًا وجعلها جسرا يمشي عليه الطفل بين الواقع والخيال بكل العمق الذي تحمله عبارة وينيكوت من معنى؟

اللعب من نشاط اعتيادي إلى أداة تعبيرية

يعد اللعب جزء لا يتجزأ من يوميات الأطفال، يفرغون فيه طاقاتهم ويستكشفون العالم من حولهم، وإن مشهد اللعب الذي يبدو لنا عفويا وتلقائيا قد يخفي وراءه عمليات نفسية معقدة كالاسقاط والتعويض والتفريغ الانفعالي. فمثلا، قد يقوم الطفل بإعادة تمثيل مشهد في المدرسة أو البيت مما قد يعني أن الطفل يقوم بإعادة ترتيب أحداث قد أربكته، في محاولة لإعادة الشعور بالسيطرة على الأحداث او حتى لفهمها!

لذلك كان من الضروري علينا كراشدين أن نفهم أن ميل الطفل إلى تكرار أنماط من الألعاب بشكل غير مألوف -خاصة في الأوقات الصعبة وغير المفهومة بالنسبة للطفل- قد يمثل في حد ذاته صرخة داخلية منه تحتاج إلى إصغاء من قبل الكبار وخاصة الوالدين، ويصبح من الضروري عندها إعادة النظر في دور هذا اللعب، والانتقال به

من مجرد وسيلة ترفيه أو إشغال وقت إلى أداة تعبيرية نشارك الطفل من خلالها لحظات الحيرة والألم، نساعده من خلال تلك المشاركة على أن يصبح أكثر وعيا بذاته وأكثر قدرة على الفهم والتعبير في بيئة آمنة تفرد له هذه المساحة بتفهم واحترام.

اللعب في الظروف الاستثنائية، أداة ثبات وتنظيم

تعرف الظروف الاستثنائية بأنها أحداث أو أوضاع خارجة عن المألوف، تُحدث اضطرابا في شعور الإنسان بالأمان والاستقرار، وغالبا ما تفوق قدرة الفرد – وخاصة الطفل – على الفهم والتكيف معها بسهولة، ولهذا فإنها قد تترك أثرا نفسيا سلبيا على الطفل مما يعوق نموه الانفعالي أو المعرفي، لا سيما إذا لم يتلق الطفل الدعم النفسي والاجتماعي الكافي. ومن أبرز هذه الظروف خاصة في منطقتنا الجغرافية -حيث تتكرر وتتعدد هذه الظروف- الحروب، النزوح، الفقد، الأوبئة، المرض، التغيرات الأسرية المفاجئة كالطلاق أو الانفصال وغيرها مما ينطبق عليه تعريف الظرف الاستثنائي.

يعيش الطفل في هذه الظروف حالة من اللايقين (Uncertainty)، إذ يعجز عن مواجهة الواقع الجديد أو فهمه كما وقد يشعر بفقدان الأمان، مما قد ينعكس سلبا على قدرته على تنظيم مشاعره والتعبير عنها، لذلك فإن اللعب في هذه الحالة يصبح أداه هامة لإعادة بناء الإحساس بالثبات والسيطرة لديه، ووسيلة آمنة لتنظيم الانفعالات.

يسمح اللعب للطفل بتنظيم عالمه الداخلي ومواجهة عالمه الخارجي بشكل أكثر أماناً عن طريق تلك اللغة البديلة، فالطفل خاصة في المراحل العمرية المبكرة لا يملك مفردات ومفاهيم لتسمية مشاعره كالقلق والخوف والارتباك، بل يقوم غالبا بترميز الأحداث والمشاعر من خلال اللعب (كأن يعيد تمثيل مشاهد القصف الصاروخي من خلال تحريك الدمى

والسيارات بعيدًا عن أماكن الخطر)، يفتح ذلك المجال للحوار مع البالغين ويمكنهم من فهم ما عجز الطفل عن قوله مما يوفر مدخلا مناسبا للتدخل التربوي أو التدعيمي المناسب، سواء من قبل الوالدين أو المعلم أو حتى الأخصائي النفسي في بعض الحالات التي تقتضي التدخل التخصصي.

كيف أشارك الطفل اللعب؟

من المهم أن يتوفر للطفل قدر المستطاع الألعاب أو المواد المتاحة البسيطة كالدمى والصلصال والمكعبات وغيرها، دون أن تكون باهظة الثمن أو معقدة التصميم، الأهم من ذلك هو تخصيص بيئة آمنة ووقت حقيقي منتظم يعرفه الطفل ويتوقعه مع الأهل دون الانشغال بأمور أخرى كالهاتف أو الاعمال المنزلية، تكون مخصصة للتواصل مع الطفل.

في هذا الوقت نجلس مع الطفل على مستواه والنظر إليه بعينين حانيتين دون حكم أو تصحيح، نترك له زمام الأمور في قيادة اللعب واختيار اللعبة التي يريدها، لا نوجه بل نبقى في دور الملاحظ المستكشف لكيف يعبر عن مشاعره دون الاستخفاف بها ودون الاستعجال، ومن الممكن التفاعل معه وطرح الأسئلة المفتوحة (إيش صار بعدين؟ وين بدك تروح؟ ... الخ) دون فرض تفسيرات جاهزة عليه بل نهدف الى استكشاف تفسيراته الخاصة.

ختاما... اللعب أرض ثابتة وسط الفوضى

إنه وفي ظل أي ظروف استثنائية يهتز فيه عالم ذلك الطفل، تبقى لديه حاجة أساسية لمساحة ثابتة كي يقف عليها، وهنا يصبح اللعب هو تلك الأرض التي يعيد من خلالها ترتيب عالمه الداخلي ويستعيد شعوره بالأمان مع نفسه ومع الآخرين من حوله.

وهكذا تظل عبارة وينيكوت التي قيلت قبل عقود تضيء لنا الطريق لفهم أعمق لطفولة تتشكل بين الواقع والخيال، بين الألم والشفاء، بين الإثارة والأمان ... في رحلة اللعب على ذلك الجسر السحري المعلق.