حقوق الطبع والنشر محفوظة لشبكة بلدنا الإعلامية
حكاية شهيد (٢)
تقرير : ديما نادر دعنا
اختطف وهو صائم في شهر رمضان المبارك، قبل أن يؤدي صلاة الفجر مع المصلين في الجامع، واغتيل واستشهد بعد الصلاة بساعات قليلة ، وشيع جثمانه في يوم الجمعة أحب الأيام الى الله، فمن ذلك الذي نال منزلته بين الانبياء والصديقين والشهداء ! "
إنه الشهيد محمد أبو خضير هذا الاسم الذي دوى في كل صوب وحدب، وأصبح أشهر من نار على علم بين ليلة وضحاها بعدما قام ثلاثة مستوطنين باختطافه وعذبوه خنقا وضربا ومن ثم احرقوه حيا دون ذنب ..
كثيرة هي التفاصيل التي نشرت عن حادثة اغتياله واستشهاده ، لكن للشهيد محمد قصة حياة حتى آخر ساعات من لحظة اختطافه، لذلك ارتأت شبكة بلدنا الإعلامية بأن تلتقي مع ذويه ليحدثونا عن هذا الطفل الشاب الذي رحل عنوة وبغتة قبل ان يتجاوز السابعة عشرة..
استجمعت والدة محمد قواها لاستقبالنا وبدموع عينيها بدأت تتذكر أياما مضت كانت تجمع بينها وبين فلذة كبدها ، فأخذت تتنهد تارة وتبكي تارة اخرى، وقالت بصوت حزين ومخنوق: "صورته لا تغيب عن بالي وكلما هدأت قليلا وكأن النيران تلتهم قلبي حسرة واشتياقا، فأستغفر ربي لعله يهدىءمن روعي .
وتضيف: لم ابخل عليه يوما بشيء، ولم أقصر بحقه وبحق اي احد من ابنائي فهو الخامس بين اخوته السبعة لكن محمدا كان مميزا بينهم ، كثير الحراك والضحك والمزاح ، يشارك الناس ويساعدهم حتى انه قبل شهر رمضان قام بتزيين الحارة برفقة اصدقائه استقبالا للشهر الفضيل.
توقفت للحظات عن الكلام، وابتسمت قائلة: محمد كان صغيرا مع الصغار وكبيرا مع الكبار فحين يجلس مع الرجال نراه رجلا واعيا ومثقفا جديرا بالاحترام ، لكن حجمه الصغير لم يكن يُـظهر عمره الحقيقي رغم انه كان يبلغ من العمر السادسة عشرة من عمره الا انني كنت اراه لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره.
وتابعت: كنت دوما قلقة عليه بعكس جميع اشقائه وكثيرا ما كنت اتصل عليه للاطمئنان على احواله حتى انه قبل استشهاده رفضت ذهابه في رحلة مع رفاقه واقاربه خوفا عليه من الغرق، اغرورقت عيناها بالدموع وقالت بحزن: مهما حاولت حمايته لا مفر من حكم القدر فقد رحل محمد دون نظرة أو قبلة وداع.
استشهد محمد في اليوم الرابع من رمضان (2 تموز 2014) وقبل أيام ولحظات استشهاده كان كما تقول والدته: هادئا، ساكنا قليل الحديث والحركة، ينام لساعات طويلة ويجلس على الكمبيوتر، يتناول سحوره ومن ثم يذهب الى الصلاة مع رفاقه .
وتضيف: يوم استشهاده لم ننم جميعنا حتى موعد السحور وبعدما انهى تناول الطعام جلس لبرهة من الزمن على الدرج وكانت بيده علبة لمشروب غازي ومن ثم قام بتعبئة قارورة المياه شرب منها قليلا، وقال لي لاول مرة : " يلا يما انا رايح " ، شعرت حينها بالاستغراب فهو ليس معتادا بأن يودعني قبل الذهاب ولم اكن اعلم انه سيرحل الى غير رجعة .
عشر دقائق تفصل بين وداعه لوالدته وبين لحظة اختطافه، تضيف والدة محمد: جاء ابن اخي قبل اقامة الصلاة وسألني عن محمد وانا كنت اجهز نفسي للصلاة ، فأجبته بأن محمدا له اكثر من ١٠ دقائق ينتظركم خارج المنزل، فقال لي بأنه ليس هناك ، حين قال بأنه غير موجود في المكان المعتاد، دب الرعب في قلبي، ولم استطع الوقوف على قدمي وتأملت بأن يكون بخير وقلت لابن اخي اذهب الى الجامع لعله يكون قد سبقكم اليه، حاولت الاتصال به مرارا وعندما لم يجب على الهاتف شعرت بالخوف الشديد ودخلت على زوجي وقلت له اتصل بالشرطة ، حينها جاء ابن اخي وقال لي بان مستوطنين قاموا بخطف شاب ، وعرفت وايقنت حينها بأن محمدا هو الذي خطف.
وجاءت الشرطة وقامت بالتحقيق وسألت الكثير من الاسئلة ولم يحاولوا تتبع الكاميرات بذات اللحظة، تضيف:" تمنيت لو اني سمعت صوته وانقذته من وحشيتهم ، كثيرا ما يخطر على بالي مشهد خطفه كأنه يحدث أمامي فهو بالطبع ﻛﺎﻥ خائفا، مرعوبا ، واتخيل كيف حملوه بسيارتهم وكانوا يجلسون حوله يتحدثون العبرية، وهو لا يدري ماذا يقولون ؟
ربما اخذ يذكر الله في تلك اللحظات ، او قام بمناداتي في قلبه بعد ما اغلقوا فمه بأيديهم وقاموا بتعصيب عينيه كي لا يرى من سينهش جسده ويعذبه حرقا قبل أن ينال الشهادة ، وهناك في الغابة الموحشة ربما شعر بالبرد ، او بالرعب او بالاثنين معا ، لكن لم تكن لحظات البرد طويلة ، فالنيران هبت بجسده الطاهر الهزيل، ربما صرخ ، أو بكى ، لكن بالطبع تألم كثيرا قبل ان يفارق الحياة ...
آخر لقاء بين محمد ووالده
ويقول والد محمد : لم ابخل عليه بشيء يوما من الايام، وكنت اشتري له كل ما يرغب ، حتى انه قبل استشهاده بأسبوع طلب ان اشتري له حذاء رياضيا غالي الثمن فاشتريته له وقبلها اشتريت له هاتفا محمولا متطورا، فقد كان محمد مميزا ، وله طابع خاص في المنزل فهو كثير الحراك والضحك وكنت اسميه "زنمبرك" البيت وكان يترك بصمته في كل شيء وفي كل مكان بعكس اخواته واخوانه
ويضيف بألم : ان آخر لقاء جمعني بمحمد كان قبل ليلة من استشهاده حوالي الساعة الحادية عشرة مساء ، لم اره بعدها ولم اقبل برؤيته بعد حرقه ، لاني لم ارغب في تشويه صورته بداخلي واردت بأن تبقى كما هي في مخيلتي ، حتى اني لم اعد ارغب في ذكر اي تفاصيل عن محمد فكلما اذكرها اشعر بالوهن والتعب ، فبعد استشهاده لم يعد للحياة طعم وانقلبت حياتنا رأسا على عقب ، فأصبحت كثير التوتر والعصبية واجواء المنزل مشحونة بالغضب.
اعتراف الجناة
وحول الجناة واعترافاتهم حيث بث التلفزيون الاسرائيلي مؤخرا، اعترافات لأحد المستوطنين المتهمين بقتل محمد، اعترف فيها بتفاصيل الجريمة ودوافع القتل بطريقة وحشية.
وقال المتهم بالقتل: بعد أن اختطف ثلاثة مستوطنين في شمال الخليل قررنا أن ننتقم لهم من خلال اختطاف فلسطيني وقتله.
وبين أنه احضر ثلاث زجاجات فارغة من منزله وتوجه بها الى محطة محروقات في منطقة فلسطينية "حزما"، عبأها بمادة الكاز، وبعد ذلك توجه لشراء مشروب طاقة وشربه قبل أن يبدأ بالبحث عن شخص فلسطيني ليقتله هو والمجموعة.
وأضاف: لبسنا لباسا علمانيا حتى لا يظهر أننا متدينون، رأينا طفلا في منطقة حي شعفاط، اوقفنا السيارة بالقرب منه، حاولنا استدراجه الينا، فسألناه اين اتجاه مدينة تل ابيب، يبدو أنه اشتبه بنا، لكن سرعان ما وجهنا له لكمة على وجهه، ووضعت يدي على فمه، بدأ الناس يصرخون "الله اكبر" عندما رأوا عملية الاختطاف، الفتى زاد من الصراخ فوضعت يدي على فمه ليبدأ بالاختناق.
وتابع قوله: "بعد ذلك اتجهنا لغابات القدس وقلت لشركائي في العملية، اخنقوه.. العرب لهم سبعة ارواح، خشيت أن ينهض الفتى، فضربته عدة لكمات على رأسه ومن بعدها على نفس المكان ضربته بآلة حادة.
واستمر المتهم بالقتل يروي : بدأنا بسكب المادة المشتعلة على الفتى، وقبل ذلك ضربته ثلاث ركلات من اجل المستوطنين الثلاثة المختطفين، بعد ذلك اضرمت النار في رجليه ومن ثم اشتعل كل جسده بالنار.
وحاول المتهمون بالقتل أن يبرروا جريمتهم، فقال احدهم : "اخطأنا وندمنا فنحن اليهود يعرف عنا بالرحمة والرأفة".
ومن جانبه زعم محامي القاتل أن منفذي الجريمة يعانون من مشاكل نفسية، وأنهم مصدومون ولديهم قلوب.
جنازة مهيبة
عاد محمد بعد استشهاده لينير دروب شعفاط ليس على الاقدام وانما محمولا على الأكتاف ، تقديرا واحتراما لروحه الكريمة ..
جاء الالاف من كل صوب وحدب ليزفوه عريسا الى حوريته بالجنة .. هناك في السماء .. وشاهده الملايين عبر شاشات التلفاز من كل مكان ، وتابعه الملايين أيضا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، ورفرف فوقه علم فلسطين دون غيره
كان لقاؤنا به سريعا، كنت يا محمد تمشي مسرعا، تريد ان تنهي كل تلك المراسم، كأنك متلهف للقاء ربك والرسل ورفاقك الشهداء من أبناء فلسطين، ركض خلفك كل من أحبك ومن عرفك وايضا من أحبك ومن لا يعرفك ، مسرعين ليودعوك الوداع الأخير..
الأم والرحيل
وحدها أم محمد لم تهدأ وقلبها يثور ويغضب في كل لحظة وينقبض ويبكي لوعة الفراق حتى بعد8 سنوات من الفراق ، لا زالت تراه في أرجاء البيت ، تسمع صوته كلما التفتت يمينا او يسارا ، صوت قدميه، كلماته ، أنفاسه، بينما تحاول في كل مرة أن تنسى خوفه ، واوجاعه لحظة اختطافه وكيف سرق اللهيب في جسده جمال ابتسامته ولم تستطع صرخاته ايقاف معذبيه عن تعذيبه وتشويه جسده الطاهر!